المنطقة على حافة التحول

المنطقة على حافة التحول

أبواب الجحيم تُفتح لحظةً بلحظة أمام أمريكا وكَيان الاحتلال الصهيوني، وعلى العدوّ أن يتوقّع هجماتٍ متواصلة تحمل دروسًا قاسية، فزمن الاستباحة بلا ثمن قد ولّى.

 

إنّ ما يجري ليس ردّ فعلٍ عابر، بل مسارٌ تصاعديٌّ تتراكم فيه الرسائل، وتتعاظم فيه الكلفة، وتُعاد فيه صياغة معادلات الردع على نحوٍ مختلف عمّا اعتاده صانعو القرار في واشنطن وكيان الاحتلال.

 

في اللحظة التي تتسارع فيها الأحداث الإقليمية، وتتداخل فيها الرسائل العسكرية مع الحسابات السياسية، يبدو المشهد وكأنه يقف على حافة تحوّل كبير، لا لأن طرفًا بعينه يمتلك تفوقًا مطلقًا، بل لأن منطق الهيمنة الذي حكم المنطقة لعقود طويلة بدأ يفقد توازنه ويتآكل من داخله.

 

فما يجري اليوم لا يمكن قراءته بوصفه ردودَ أفعال منفصلةً أَو حوادثَ أمنية معزولة، بل هو مسار تراكمي نتج عن سياسات ممتدة قامت على القوة المُجَـرّدة، وتجاهلت جذور الأزمات، وتعاملت مع شعوب المنطقة؛ باعتبَارها ساحات اختبار ومناطق نفوذ لا أكثر.

 

لقد اعتادت أمريكا إدارة الصراعات من موقع الوصي، فأنشأت القواعد العسكرية، ونسجت التحالفات، وربطت أمن المنطقة ارتباطا مباشرًا بأمن كَيان الاحتلال، لكنها في المقابل فشلت فشلًا ذريعًا في تقديم نموذج حقيقي للاستقرار.

 

هذا الفشل لم يكن تقنيًّا أَو ظرفيًّا، بل فشلًا بنيويًّا نابعًا من طبيعة المقاربة نفسها؛ إذ قامت على حماية كَيان الاحتلال الإسرائيلي قبل حماية شعوب المنطقة، وعلى احتواء الخصوم بدل معالجة الأسباب الحقيقية للصراع.

 

ومع كُـلّ جولة تصعيد، كانت واشنطن تراكم خصومات جديدة، وتوسّع دائرة الغضب الشعبي والسياسي، حتى بات وجودها العسكري عبئًا أمنيًّا وسياسيًّا على حلفائها قبل خصومها.

 

أما كَيان الاحتلال، فقد بنى استراتيجيته منذ نشأته على فرض الردع بالقوة، وعلى وَهْمِ التفوق العسكري؛ باعتبَاره كفيلًا بإسكات أي اعتراض أَو إنهاء أية مقاومة.

 

غير أن التجربة التاريخية أثبتت أن الردع الذي لا يرافقه عدل ولا حرية، ولا يستند إلى تسوية عادلة وحقيقية، يتحول مع مرور الوقت إلى عامل استنزاف دائم.

 

فكل حرب غير محسومة، وكل عملية عسكرية لا تُنهي الصراع مع المقاومة، لا تؤدي إلا إلى خلق أجيال جديدة أكثر وعيًا وإصرارًا على رفض الاحتلال، وتعيد إنتاج المواجهة بأشكال أكثر تعقيدًا وأكثر اندفاعًا نحو تحرير الأرض.

 

وهنا تكمن المعضلة الحقيقية؛ إذ إن القوة التي لا تُترجم إلى أمن مستدام تصبح مُجَـرّد أدَاة لإدارة مؤقتة للأزمة، لا لحلها.

 

وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل البُعد الرمزي والسياسي لشخصيات باتت تمثل عناوين صراع تتجاوز حدود دولها، وفي مقدمتها قائد الثورة في إيران السيد علي خامنئي، الذي تحوّل، بالنسبة لأنصاره وخصومه على السواء، إلى رمز لمشروع يرفض الخضوع للهيمنة الخارجية ويصرّ على استقلال القرار.

 

إن اغتياله من قبل العدوان الإسرائيلي والأمريكي يُقرأ كرسالة تهدف إلى كسر إرادَة المشروع وإعادة رسم خطوط الردع.

 

ومع ذلك، فإن هذا الاغتيال سيجعل أتباعه في المنطقة أكثر تصميمًا على الثأر له، وإقامة القصاص بحق المجرمين الإسرائيليين والأمريكيين، مؤكّـدين أن أي اعتداء على الرموز لن ينتهي دون ردّ حازم واستراتيجي، وأن الثأر السياسي والأخلاقي أصبح جزءًا لا يتجزأ من مسار الصراع في المنطقة.

 

ومن أخطر ما في المشهد الراهن أن دائرة الضحايا لم تعد تقتصر على المقاتلين أَو القادة، بل امتدت لتشمل المدنيين الأبرياء الذين لا علاقة لهم بحسابات القوة والنفوذ.

 

فعندما تُذكر أسماء مدن مثل ميناب مقرونة بأطفال المدارس والضحايا المدنيين، فإن ذلك يضيف بُعدًا أخلاقيًّا بالغ الحساسية إلى الصراع.

 

فدماء المدنيين لا تسقط بالتقادم، ولا يمكن تبريرها بخطاب الأمن القومي أَو الذرائع العسكرية، لأنها ببساطة تقوّض أي ادِّعاء أخلاقي، وتمنح الطرف الآخر شرعية الغضب والمواجهة، مهما اختلفنا أَو اتفقنا معه سياسيًّا.

 

إن أخطر ما تواجهه القوى الكبرى اليوم ليس قوة خصومها العسكرية بقدر ما هو تآكل قدرتها على الإقناع وفرض الرواية.

 

فالعالم لم يعد يُدار كما كان قبل عقود، والشارع بات أكثر وعيًا، والإعلام البديل كسر احتكار المعلومة والصورة.

 

ومع كُـلّ تصعيد غير محسوب، تتسع الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني، وتتراجع القدرة على تسويق السياسات بوصفها دفاعًا عن الاستقرار أَو القيم.

 

وفي المحصلة، ما يجري اليوم ليس إنذارًا عابرًا، بل نتيجة حتمية لمسار تدفع إليه عمدًا كُـلٌّ من أمريكا وكَيان الاحتلال، اللتان تعملان بشكل ممنهج على إدخَال المنطقة في دوّامات متتالية من الحروب والدمار، خدمةً لمشاريعهما التوسعية ومصالحهما الاستعمارية.

 

فهما الطرفان الأكثر انتهاكا لسيادات البلدان العربية والإسلامية، والأكثر تورطًا في احتلال الأوطان، ونهب الثروات، وإشعال الصراعات، ثم الادِّعاء زيفًا بالبحث عن الاستقرار.