الحرب الناعمة: مقومات الهيمنة وإشكاليات الممانعة

الحرب الناعمة: مقومات الهيمنة وإشكاليات الممانعة

تُعدّ الحرب الناعمة من أخطر أشكال الصراع المعاصر؛ لأنها لا تستهدفُ الأرض والسلاح فحسب، إنما تستهدف الإنسان في وعيه ودينه وقيمه وانتمائه.

 

وهي حربٌ تقومُ على الاختراق الفكري والثقافي والقرآني والسياسي والاجتماعي، وتهدف إلى تفكيك المجتمعات من الداخل دون إطلاق رصاصة واحدة، عبر أدوات ناعمة لكنها أشد فتكًا من السلاح.

 

إن الحربَ الناعمة في جوهرها خيانةٌ لله وللرسالة الإسلامية وللوطن؛ لأنها تقوم على التلاعب بالحقائق وتزييف الوعي والتفريط بالأمانة الفكرية والأخلاقية.

 

والخيانة في ميزان الإسلام خُسران مبين، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾

 

وتعتمد الحرب الناعمة على سلاح الشائعات بوصفه أدَاة مركزية لزرع الفتنة، وتفكيك النسيج الاجتماعي، وإضعاف ثقة الناس ببعضهم وبقضاياهم العادلة.

 

ويُستخدم في ذلك الإعلام الموجّه، والأخبار الكاذبة والمضللة، ومنصات التواصل الاجتماعي، لزرع الشكوك وصناعة الانقسامات وتشويه الثوابت، وتحويل الباطل إلى حق والحق إلى باطل.

 

ولا تبقى أساليب الحرب الناعمة ثابتة، فهي تتبدل بتبدل الظروف والمعطيات، وتتطور مع تطور القناعات ومستوى الوعي المجتمعي.

 

إذن.. هي حرب مرنة متخفية، تتسلل عبر الخطاب الثقافي، وتحت عناوين براقة مثل الحرية والانفتاح والواقعية، بينما هدفها الحقيقي هو سلخ الأُمَّــة عن هُويتها الإيمانية وإفراغها من مضمونها القيمي وتجريدها من بوصلتها الأخلاقية.

 

ومن أخطر الأبواب التي ينفذ منها العدوّ في هذه الحرب ضعف الوازع الديني؛ إذ إن قلة الوعي الإيماني تجعل الفرد أكثر عُرضة للتأثر بالشبهات، وأقل ثباتًا أمام حملات التضليل والتزييف.

 

فحين يضعُف الإيمان يسهُلُ كسرُ المواقف، وتبرير الجرائم، وتمرير الخيانة على أنها عقلانية أَو حياد.

 

إن الإيمان الصادق والثبات على المبادئ الدينية يشكلان خط الدفاع الأول في مواجهة الحرب الناعمة؛ فالإيمان يعزز الصبر ويقوي البصيرة ويحصن الإنسان من الانخداع، ويجعله أكثر مقاومة لمحاولات الاحتلال الفكري والتزييف الإعلامي، وأكثر تمسكًا بهُويته الإيمانية والوطنية.

 

وقد كشف القرآن الكريم آلية هذا الخداع والتزيين، فقال تعالى:

 

﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ ۖ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ ۚ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾

 

وفي هذا السياق يمكن فهم ما نشهده ونسمعه اليوم من أبواق الصهاينة الذين يفرحون بقصف المقاومة الفلسطينية واللبنانية والعراقية واليمنية وإيران من قبل أمريكا وكَيان الاحتلال.

 

فهذا المشهد لم يأتِ من فراغ، هو نتيجة مباشرة للحرب الناعمة التي دجّنت جزءًا من الأُمَّــة الإسلامية وسلبت وعيها، حتى باتت ترى المنكر حقًا واجبًا، وترى الحق باطلًا يجب إنكاره.

 

فقد انقلبت الموازين، وأصبح البعض يجادل ويحاور ويبرّر، بل ويدافع صراحة عن كَيان الاحتلال الإسرائيلي والعدوان الأمريكي، في مشهد يكشف حجم الانهيار القيمي والاختراق الفكري.

 

وَإذَا قيل لأحدهم إن أمريكا وكَيان الاحتلال هما عدوّا الأُمَّــة، وإنَّ قوى المقاومة في فلسطين ولبنان وغيرها تقف في وجه العدوان، لجأ إلى عبارات مضلِّلة من قبيل: «اللهم أبلِ الظالم بالظالم»، متخذًا الحياد الزائف ستارًا، والصمت عن الجرائم الأمريكية والإسرائيلية موقفًا يُلبس ثوب الإيمان، بينما هو في حقيقته سكوتٌ عن الحق وتبرير للباطل، وموقف لا يختلف عن موقف الظالم، بل هو صورة من صور الشيطان الأخرس.

 

وهكذا فإن معركةَ اليوم ليست معركة سلاح فقط، إنها معركة وعي وبصيرة وإيمان.

 

ومن يدرك طبيعة الحرب الناعمة، ويحصّن نفسَه ومجتمعَه بالقرآن والوعي والثبات، يكون قد أسقط أخطر أدوات الهيمنة، وأفشل مشروع التفكيك من أَسَاسه، وحفظ للأُمَّـة بُوصلتها وهُويتها وكرامتها.