تتجلّى عظمة الإسلام في ذروة سنامه وركنه الأقوم؛ الصلاة التي هي عروة الوصل الوثقى بين العبد وربّه، والرباط الجماعي الذي يجمع أفئدة المؤمنين في بيوتِ أذن الله أن تُرفع ويُذكر فيها اسمه. وقد استخصّ المولى سبحانه يوم الجمعة بفضلٍ مشهود وجعله عيدًا أسبوعيّاً تتسابق فيه الأرواح قبل الأبدان إلى محاريب الطاعة واستماع الذكر، إجابةً للنداء الإلهي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾.
وإن من جليل الموقف وعظيم النكير ما أعلنه قائد المسيرة القرآنية في يمن الإيمان والحكمة ضد تحالف العدوان الذي تقوده السعودية، جرّاء استهدافه المصلين في بيوت الله وقَتْلِ الحُفّاظ والعلماء، وفي طليعتهم العالم الجليل والأستاذ الجامعي القدير إمام جامع بدر العالِم الدكتور المرتضى بن زيد المحطوري، برفقة العشرات من الركّع السجود؛ في انتهاكٍ صارخ لبيوتٍ جعلها الحقّ ملاذاً آمنًا ومَهبطاً للرحمة ومجلسًا للذكر، ومدَح الساعين إليها بعمارة الإيمان، وجعل البناء لها سبيلاً إلى بيتٍ في الجنة، حتى غدت بيوت الله موضع التقديس الأسمى في قلوب أهل الإسلام.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً﴾ صدق الله العظيم.
إن سفك دماء المصلين وهم بين يدي خالقهم يُعدّ من أفظع المنكرات وأشدّ الجرائم شُؤمًا وعدواناً على الشريعة والقرآن؛ إذ كيف تجرؤ نفسٌ سوية على هتك أقدس اللحظات وترويع العُبّاد ومنازلة رب السموات؟!
وهو جُرْمٌ تنفر منه الفِطَر وتأباه الشرائع وتستنكره العقول، ولما كان هدم المساجد أو منع ذكر الله فيها من أظلم الظلم الذي توعّد الله فاعله بالخزي في الدنيا والعذاب العظيم في الآخرة، ولما كانت المساجد أحبّ البقاع إلى الله، فإن استهدافها واستهداف مَن فيها يُنافي تحريم قتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق، ويكتسب جُرمًا أشد غلظة بحكم المكان والزمان والغاية، ليكون اعتداءً على الأمة بأسرها واستهزاءً صريحاً بشرع الله.
وإذا كان الإسلامُ قد أوصى بالجار، وأمر بالإحسانِ إلى الناس، وحثّ على السلامِ والأمان، وأوجب حفظَ الدماءِ والأعراض، فكيف يُقابلُ هذا كله بالقتلِ والتخريبِ والترويع؟ وكيف يُقابَلُ نداءُ اللهِ للمؤمنين بالسعي إلى ذكرِه بالاعتداءِ عليهم وهم ساعون؟ وكيف يُقابَلُ رفعُ بيوتِ الله بالهدمِ والتدمير؟
إن من يتجرأ على عباد الله المصلين فإنما ينازع الله في دينه وشريعته، والله جلّ وعلا ليس بغافلٍ عمّا يعمل الظالمون بل يملي لهم ليومٍ تشخص فيه الأبصار، ودعوة المظلوم لا تُرد ودماء السجود ليست هَدَراً.
إن هذه الجرائم النكراء تتطلب استهجاناً ووقفة جادة لا تهاون فيها، وتستدعي من كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر نصرة إخوانهم المصلين في اليمن والدفاع عن حرمات مساجدهم، والوقوف صفًا واحدًا ضد كل من يسعى لإخماد صوت الحق والأذان؛ فتعظيم المساجد وقاصديها من تقوى القلوب، والاستخفاف بها استخفاف بالشريعة؛ والله سبحانه يمهل ولا يهمل، وسيرد كيد المعتدين في نحورهم، وهو ناصرٌ أولياءه ومعزٌّ دينه ومؤيدٌ أهل الإيمان والحكمة.
حِكَمٌ هَذِهِ رَفَعْتُ بِهَا نُصْحِي ** لِتُدَوِّيَ فِي الْعَالَمِينَ دَوِيَّا
نَافِعٌ هَدْيُهَا لِمَنْ كَانَ بَرّاً ** مُخْلِصاً لِلرَّحْمَنِ، أَمِيناً رَضِيَّا
وَلْيَبْقَ هَذَا الْمَقَالُ بِإِذْنِ اللَّهِ بَقَاءَ الدَّهْرِ ** يَرْنُو إِلَيْهِ مَنْ كَانَ حُرّاً تَقِيَّا
كَمْ تَرَى فِيهِ فِي كُلِّ قَوْلٍ تَحَرٍ ** فَهُوَ لِلْحَقِّ فَهَّامَةٌ، عَبْقَرِيَّا
وَصَلَاةٌ عَلَى نَبِيٍّ كَرِيمٍ ** أَوْضَحَ الرُّشْدَ، وَالْغَيَّ سَمَّاهُ غَيَّا









