كيف ساهم الفكر الوهابي التكفيري والإعلام الموجَّه في تحويل بوصلة الأمة من مواجهة أمريكا و

كيف ساهم الفكر الوهابي التكفيري والإعلام الموجَّه في تحويل بوصلة الأمة من مواجهة أمريكا و"إسرائيل" إلى معاداة إيران؟

ليست أخطر أزمات هذه الأمة أنها ضعفت عسكريًا أو تراجعت سياسيًا أو تعثّرت اقتصاديًا، بل إن أخطر أزماتها تمثّلت في اختلال وعيها بطبيعة الصراع، وفي العبث المنهجي بالبوصلة التي تحدّد من هو العدو الحقيقي ومن هو الخصم الطارئ، ومن هو الخطر البنيوي الذي يتهدد حاضرها ومستقبلها، ومن هو الطرف الذي جرى تضخيمه وتقديمه بوصفه الخطر الأول خدمةً لمشاريع أخرى أكبر وأخطر. وهذه ليست مسألة نظرية ولا تنظيرًا مجردًا، بل هي مفتاح لفهم كيف أُعيد تشكيل الذهنية العربية والإسلامية خلال العقود الماضية، حتى باتت قطاعات واسعة من الشعوب تنظر إلى إيران بوصفها التهديد الأخطر، في وقت كانت فيه الولايات المتحدة تمسك بمفاصل المنطقة، وكانت "إسرائيل" تمعن في الاحتلال والقتل والتدمير والابتلاع، وكانت القواعد الأمريكية تنتشر في البحار والبراري والسماء، وتعيد رسم الخرائط والأنظمة والتحالفات.

 

منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، لم تتعامل الولايات المتحدة مع الحدث بوصفه مجرد تغيير داخلي في دولة كانت حليفة لها، بل تعاملت معه بوصفه تحديًا استراتيجيًا لمنظومة النفوذ الأمريكية في الشرق الأوسط. وبعد أزمة الرهائن، اعتبر الرئيس الأمريكي جيمي كارتر ما جرى مساسًا مباشرًا بالمصالح الأمريكية، ثم تطورت اللغة الأمريكية لاحقًا إلى توصيفات أكثر حدة، إلى أن جاء جورج بوش الابن ووضع إيران ضمن ما سمّاه "محور الشر"، ثم واصل دونالد ترامب هذا المسار بلغة أكثر فجاجة حين وصف إيران بأنها "أكبر دولة راعية للإرهاب في العالم"، وربط حضورها الإقليمي بالفوضى وعدم الاستقرار. هذا التراكم في الخطاب الأمريكي لم يكن مجرد وصف سياسي، بل كان جزءًا من عملية صناعة صورة ذهنية طويلة الأمد، تبرّر العقوبات والاحتواء والحصار والتهديد، وتؤسس لوعي إقليمي ينظر إلى إيران لا كخصم سياسي، بل كعدو شامل.

 

غير أن الخطاب الأمريكي، على شدته، لم يكن كافيًا وحده لإعادة تشكيل وعي شعوب كاملة، لولا أنه وجد تربة فكرية وسياسية وإعلامية جرى إعدادها بعناية داخل المنطقة ذاتها. وهنا يظهر الدور الأخطر للفكر الوهابي التكفيري الذي لم يكتف بإنتاج حالة مذهبية مشحونة، بل لعب دورًا مركزيًا في إزاحة العدو الحقيقي من مركز الوعي، وإحلال "الخطر الإيراني" مكانه. فالخطورة الكبرى في هذا الفكر ليست فقط في أحكامه الضيقة أو في نزوعه الإقصائي، بل في نتائجه السياسية العملية: تحويل الخلاف المذهبي إلى صراع وجودي، وتحويل الصراع مع الاحتلال والهيمنة إلى ملف ثانوي، بل أحيانًا إلى ملف مؤجل أو مسكوت عنه، مقابل التعبئة اليومية ضد إيران وضد كل تيار أو قوة أو مشروع يخرج من دائرة الرضا الأمريكي الخليجي.

 

بهذا المعنى، لم يكن الفكر الوهابي التكفيري مجرد "قراءة دينية" مختلفة، بل أداة تعبئة استراتيجية خدمت من حيث النتيجة إعادة تعريف العدو داخل العقل العربي والإسلامي. فبدل أن يبقى السؤال المركزي: من يحتل الأرض؟ من يدعم الحروب؟ من يحاصر الشعوب؟ من يحمي "إسرائيل"؟ جرى استبداله بسؤال آخر: من يختلف معنا مذهبيًا؟ من ينازعنا النفوذ؟ من يهدد توازنات الأنظمة؟ وهكذا، انتقل الصراع من مواجهة المشروع الأمريكي–الصهيوني إلى صراعات داخلية استنزفت الأمة، ووفرت للعدو الحقيقي أفضل بيئة ممكنة للتوسع والهيمنة والاختراق. وهذه النقلة ليست صغيرة، لأنها تعني ببساطة أن الأمة لم تُهزم فقط بالقوة، بل هُزمت قبل ذلك في وعيها بتحديد ساحة المعركة.

 

وإذا كانت الولايات المتحدة و"إسرائيل" قد استفادتا دائمًا من هذا الانحراف في تعريف العدو، فإن مسؤولين إسرائيليين لم يخفوا في أكثر من مناسبة حجم المصلحة الإسرائيلية في جعل إيران مركز الخوف الإقليمي. بنيامين نتنياهو بنى جزءًا كبيرًا من خطابه الخارجي على فكرة أن "الخطر الإيراني" يمكن أن يكون قاسمًا مشتركًا لتقريب "إسرائيل" من دول عربية، بل قدّم هذا الخطر بوصفه المبرر الأهم لبناء شراكات وتحالفات جديدة. ومن هنا نفهم أن شيطنة إيران لم تكن مجرد خصومة جانبية، بل كانت حجر أساس في هندسة إقليمية جديدة تريد لـ"إسرائيل" أن تدخل المنطقة من بوابة "العدو المشترك".

 

لكن النجاح الأخطر في هذه العملية لم يتحقق فقط عبر السياسة، بل عبر الإعلام. فإمبراطوريات إعلامية ضخمة وفضائيات ومنصات ومراكز بحث وخطباء ومنابر وكتب ومناهج وخطابات يومية، عملت جميعها على تثبيت صورة واحدة: إيران خطر على العرب، خطر على السنّة، خطر على الهوية، خطر على الدولة الوطنية، خطر على المجتمع. ومع الزمن، لم تعد هذه الصورة بحاجة إلى برهان؛ لأنها تحولت إلى "بديهية مصنوعة" تتكرر حتى تبدو وكأنها الحقيقة الوحيدة. وفي المقابل، جرى تفكيك مركزية العداء لـ"إسرائيل" تدريجيًا، حتى صارت القضية الفلسطينية عند بعض هذه المنابر هامشًا، وصارت أمريكا "حليفًا مضطرًا"، وصارت القواعد الأمريكية ضمانة أمن، وصار العدو الحقيقي هو من يرفع شعار مقاومة أمريكا و"إسرائيل"، لا من يحتضنهما ويفتح لهما القواعد والأجواء والممرات.

ولعل أخطر ما فعله هذا المسار هو أنه لم يكتف بتشويه صورة إيران، بل سوّى بينها وبين المشروع الصهيو-أمريكي، بل وصل في بعض الأحيان إلى تقديمها بوصفها أخطر منهما على المنطقة. وهذه قفزة دعائية وفكرية شديدة الخطورة، لأنها لا تعني فقط تشويه طرف ما، بل تعني عمليًا تبرئة الطرف الأصلي الذي يحتل ويقتل ويستعمر، أو على الأقل تخفيف مركزية خطره في الوجدان العام. وهذا بالضبط ما احتاجته "إسرائيل": أن تبقى موجودة ومحصّنة ومدعومة، بينما تنشغل البيئة العربية والإسلامية كلها في صراع مفتوح مع إيران ومع كل قوى المقاومة...

 

غير أن هذا البناء، على ضخامته، لم يكن قادرًا على الصمود إلى ما لا نهاية، لأن الرواية مهما كانت واسعة النفوذ تظل في النهاية مشروطة بقدرتها على تفسير الواقع. وعندما يبدأ الواقع في التمرد على الرواية، تبدأ الرواية بالتصدع. وهذا ما حدث تدريجيًا في العراق وسوريا، ثم تجلّى بصورة أوضح بعد "طوفان الأقصى". ففي العراق، حين تمدد تنظيم "داعش" وهدد بابتلاع الدولة والمجتمع، لم يكن الخطر نظريًا ولا إعلاميًا، بل كان سكاكين وذبحًا واحتلال مدن وانهيار جبهات. والرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما نفسه وصف "داعش" بأنه تهديد خطير للاستقرار الإقليمي والدولي رغم انها صناعة أمريكية خالصة، ومع ذلك استمرّ الخطاب التعبوي نفسه في تصوير أي دور إيراني في مواجهة هذا التهديد بوصفه "احتلالًا" أو "توسعًا"، لا استجابة لصراع فرض نفسه على الأرض برعاية ودعم وصنع امريكي.

 

وفي سوريا، كان المشهد أكثر تعقيدًا، لكن النتيجة واحدة: جرى تبسيط الصراع كله بطريقة تجعل الحضور الإيراني وحده هو المشكلة، في حين أن الولايات المتحدة و"إسرائيل" وقوى إقليمية أخرى كانت فاعلة في الميدان وفي التوجيه وفي الرهان على إسقاط الدولة وإعادة تركيب سوريا بما يخدم مصالحها. حتى المسؤولون الغربيون الذين أقرّوا بخطر انهيار الدولة وبفوضى البدائل المسلحة، لم ينجحوا في تعديل الصورة الإعلامية التي تم تكريسها عربيًا ضد إيران.

 

ثم جاءت غزة لتفجّر التناقض كله. فمنذ السابع من أكتوبر 2023، وما تلاه من حرب إبادة على القطاع، صار من الصعب جدًا على ماكينة التضليل القديمة أن تواصل عملها بالكفاءة نفسها. لأن المشهد كان فاضحًا إلى درجة لا تسمح بإعادة الترتيب القديمة بسهولة: "إسرائيل" تقتل وتدمّر وتحاصر وتجوع وتقصف، والولايات المتحدة تمدّها بالسلاح والغطاء السياسي والاستخباري، والرئيس جو بايدن يعلن بصراحة أن التزام واشنطن بأمن "إسرائيل" راسخ، فيما تتصاعد في المقابل أصوات محور الجهاد والمقاومة، وتظهر إيران ضمن معادلة إسناد أوسع، في لحظة كانت فيها أنظمة عربية كثيرة إما صامتة أو عاجزة أو متواطئة بدرجات مختلفة.

في هذه اللحظة بالذات، لم تعد المشكلة في ضعف الدعاية، بل في استحالة إخفاء التناقض: كيف تُقنع جماهير المنطقة أن إيران هي الخطر الأول، بينما ترى بأعينها "إسرائيل" وهي تمارس أبشع صور الإبادة، وترى الولايات المتحدة وهي تمدّها بكل أدوات القتل والحماية؟ وكيف يمكن للإعلام الموجَّه أن يواصل المهمة نفسها بينما باتت صور الدم والدمار والخذلان أكبر من طاقته على التزوير؟ هنا بدأ الشرخ الحقيقي في الوعي العام. لم يسقط كل شيء دفعة واحدة، لكنه بدأ يفقد قدرته على الإقناع. وهذه نقطة محورية، لأن المنظومات الدعائية لا تنهار عندما تُكذَّب فقط، بل تنهار عندما تعجز عن تفسير ما يراه الناس.

 

ومن هنا يمكن فهم أهمية الخطاب العربي الذي وجّهه الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي إلى الأمة الإسلامية، وخصوصًا خطبته بالعربية الموجّهة إلى الأمة الإسلامية وإلى الشعبين الفلسطيني واللبناني في أكتوبر 2024، وكذلك مواقفه اللاحقة التي شدّد فيها على أن مشكلة بعض الدول الإسلامية هي أن أمريكا والغرب قد سلبا قرارها، وعلى أن فلسطين فرصة لتوحيد جهود الدول والشعوب الإسلامية، وعلى أن مواجهة الكيان الصهيوني ليست شأنًا خاصًا بالفلسطينيين وحدهم، بل معيارًا أخلاقيًا وسياسيًا يختبر صدق الانتماء للأمة وقضاياها. هذا الخطاب اكتسب وزنًا خاصًا لأنه لم يأتِ في فراغ، بل جاء في لحظة كان فيها الواقع نفسه يعيد فتح سؤال العدو الحقيقي، لا بوصفه شعارًا، بل بوصفه مسألة وجود ومسار تاريخي.

 

الأهم في هذا الخطاب أنه لم ينطلق من زاوية مذهبية، بل من زاوية مركزية فلسطين ومركزية الهيمنة الأمريكية والخطر الصهيوني. وهذا ينسف في جوهره تلك الرواية الوهابية التكفيرية التي أرادت حصر الصراع داخل الدائرة المذهبية، لأن الخامنئي حين يخاطب العرب والمسلمين بالعربية، ويضع القضية الفلسطينية في صدارة الأولويات، ويتحدث عن سلب القرار من الدول الإسلامية بواسطة أمريكا والغرب، فهو لا يقدّم "دعوة شيعية" كما روّجت الماكينات المعادية طويلًا، بل يقدّم قراءة سياسية-حضارية للصراع، قائمة على أن الأمة لا يمكن أن تستعيد عافيتها وهي تخوض معاركها في الاتجاه الخطأ.

 

ومع تصاعد المواجهة الإيرانية–الإسرائيلية المباشرة بعد ذلك، دخل التحول في الوعي مرحلة أعمق. فإيران لم تعد فقط موضوعًا لحملات التخويف، بل باتت طرفًا يشتبك فعليًا، ويظهر بقدرات عسكرية وتكنولوجية واستراتيجية تجعل من الصعب الاستمرار في تسويقها كـ"فزاعة إعلامية" بلا وزن فعلي. تقارير رويترز أشارت إلى أن المواجهات الأخيرة، بما فيها الضربات الأمريكية والإسرائيلية والردود الإيرانية وما تبعها من اضطراب في الممرات الحيوية وتكاليف اقتصادية عالمية، كشفت أن الحرب لم تمنح ترامب ولا واشنطن النتائج التي سعيا إليها، وأن الاقتصاد نفسه تحوّل إلى نقطة ضغط على البيت الأبيض، وأن الهدف الأمريكي المتمثل في فرض الإذعان الكامل أو إحداث تغيير حاسم لم يتحقق. كما أشارت تقارير أخرى إلى أن الضربات الأمريكية لم تثبت أنها دمّرت البرنامج النووي الإيراني كما ادّعى ترامب، وأن تقديرات استخبارية أولية ناقضت خطاب "الإبادة الكاملة" الذي روّجه. هذه النقطة بالذات مهمة جدًا، لأنها تُظهر فجوة أخرى بين الدعاية والواقع، وهذه المرة داخل الخطاب الأمريكي نفسه.

هذا الفشل لا يعني أن إيران خرجت بلا خسائر، ولا يعني أن المشهد بسيط أو رومانسي، لكنّه يعني أمرًا أكثر أهمية للتحليل الذي نكتبه هنا: أن السردية التي صوّرت إيران كهدف سهل، وكدولة يمكن كسرها بالقوة والضغط والحصار، لم تعد صالحة حتى عند خصومها. وعندما يبدأ خصمك نفسه في الاعتراف بصعوبة كسرِك، وعندما تتراجع الأهداف المعلنة من تغيير شامل إلى مفاوضات مشروطة وإدارة أزمة، فإن جزءًا كبيرًا من البناء الدعائي الذي صُرف عليه عشرات السنين يبدأ بالتآكل تلقائيًا.

 

وفي المقابل، يظهر الخطاب الإيراني—رغم كل ما يمكن أن يُقال عنه—أكثر تماسكا في نقطة جوهرية: الإصرار على تعريف العدو من بوابة الاحتلال والهيمنة والعدوان، لا من بوابة الاختلاف المذهبي. وحتى في المواد المنشورة على موقع الخامنئي العربي خلال 2025 و2026، تظهر بوضوح ثيمات متكررة: فلسطين في مركز الصراع، "إسرائيل" أداة عدوانية ووكيل تخريبي، أمريكا راعية الحروب والإبادة حيثما تدخلت، والشعوب الإسلامية مطالبة باستعادة قرارها وعدم الخضوع للتخويف. وهذا التكرار ليس مجرد دعاية، بل سبب من أسباب تزايد صدى الخطاب الإيراني عربيًا في السنوات الأخيرة، لأنه يخاطب منطقة الجرح الحقيقي الذي تعيشه الأمة، لا جرحًا مصنوعًا لأغراض التعبئة المذهبية.

 

وهنا ينبغي أن نكون دقيقين: التحول الجاري اليوم في المزاج العربي والإسلامي تجاه إيران لا يعني أن المنطقة تحوّلت فجأة إلى مؤيدة لها كلها، ولا يعني أن حملات التحريض اختفت، ولا أن البناء الوهابي التكفيري انهار تمامًا. لكن الذي تغيّر فعلًا هو أن هذا البناء فقد احتكاره لتفسير الواقع. وهذه نقطة تاريخية بالمعنى الفكري. لأن أخطر ما في الخطاب الموجَّه حين ينجح، أنه لا يفرض رأيًا فحسب، بل يمنع إمكان النظر من خارج إطاره. أما اليوم، فقد عاد هذا الإمكان. عادت أسئلة من نوع: لماذا يُطلب منا كره إيران أكثر من "إسرائيل"؟ لماذا يصبح من يواجه أمريكا مشبوهًا، ومن يتحالف معها "واقعيًا"؟ لماذا صُرفت أموال هائلة طوال عقود لتخويف الشعوب من "المد الشيعي"، فيما كانت "إسرائيل" تبتلع فلسطين، وكانت أمريكا تدمر العراق وتعيد هندسة المنطقة بالقواعد والحصار والحروب؟ هذه الأسئلة بحد ذاتها علامة على أن الجدار القديم لم يعد كما كان.

 

ومن هنا، فإن الحديث عن الفكر الوهابي التكفيري ليس تفصيلًا جانبيًا في هذا التحليل، بل هو في صلبه. لأن هذا الفكر لم يكن مجرد خلفية ثقافية، بل كان الأداة المثالية لتحويل المعركة من مواجهة احتلال وهيمنة إلى مواجهة داخلية مفتوحة. لقد لعب دور "الشرطي العقائدي" الذي يضبط وجدان الجماهير وفق أولويات لا تخدم إلا أعداءها. ومهما حاول بعض أصحابه اليوم التخفف من النتائج، فإن الحصيلة السياسية واضحة: تفكيك الحسّ الوحدوي، تعميق الانقسام، إضعاف مركزية فلسطين، وتقديم أعظم خدمة استراتيجية مجانية لأمريكا و"إسرائيل". هذا ليس اتهامًا عاطفيًا، بل وصف للنتائج. والنتائج في التحليل السياسي أصدق من النوايا.

 

إن الأمة التي كانت تُستنفَر عقائديًا ضد إيران، بينما تُفتح قواعدها للجيش الأمريكي، وتُستخدم أجواؤها ومياهها وممراتها لخدمة الحروب الغربية، كانت أمة تعيش انقلابًا في ترتيب الأولويات. والوعي الذي بدأ يتشكل اليوم، مهما كان بطيئًا أو جزئيًا، إنما يبدأ من استعادة هذا الترتيب: أن العدو الأول هو من يحتل ويقتل ويهيمن ويصادر القرار، وأن الخلافات الأخرى مهما كانت طبيعتها لا يجوز أن تتحول إلى ستار يحجب هذا العدو أو يبرر له أو يوفّر له غطاءً أخلاقيًا وسياسيًا. وهذا هو، في جوهره، ما حاول الخطاب العربي للخامنئي أن يذكّر به، وما حاولت الوقائع الأخيرة أن تفرضه بالقوة على العقول.

 

لهذا، فإن ما يجري اليوم ليس مجرد تحسين لصورة إيران، ولا مجرد تراجع نسبي في حملات شيطنتها، بل هو بداية صراع جديد على الوعي نفسه: بين من يريد إعادة البوصلة إلى فلسطين والهيمنة الأمريكية والخطر الصهيوني، وبين من يريد إبقاء الأمة سجينة الخوف المذهبي والتحريض الطائفي والانقسام الداخلي. وقد لا تُحسم هذه المعركة سريعًا، لكن المؤكد أن الرواية القديمة لم تعد مطلقة النفوذ كما كانت، وأن جدارها لم يعد مصمتًا. والسبب بسيط: لأن الدم في غزة، والحروب الأمريكية، والوقائع الميدانية، وخطاب المقاومة، جميعها اجتمعت لتقول للعقل العربي والإسلامي شيئًا واحدًا: لقد أُخِذتُم طويلًا إلى الاتجاه الخطأ.

 

والأمم لا تبدأ استعادة قوتها حين تربح كل معاركها، بل حين تبدأ أولًا باستعادة قدرتها على تسمية عدوها الحقيقي،،، والسلام.