كثيرة هي المشاريع التي فشلت قبل أن ترى النور، والأكثر منها مشاريع طرحت في الواقع لتدل على فشل قادتها ودعاتها وتكشف حقيقة أمرهم وزيف ادعائهم وخوائهم من الفكر السليم والثقافة الصحيحة والنية الصادقة والنقاء من الشوائب الغريزية والأغراض والرغبات الشخصية والمطامع الدنيئة والمقاصد السخيفة والقصور والتقصير والنقص والتنقيص وغير ذلك الكثير من أسباب فشلها وضعتها وضعفها.
لكن المشروع القرآني تنزه عن تلك النقائص وتقدس عن تلك الغرائز والأهداف والمقاصد والشخصنة والتعصب الفكري والمذهبي والبلادة والانخداع والقصور والنقصان، وترفع أيضا عن سفاسف الأمور من المكايدات البينية والخداع والتغرير بالآخرين والتزييف والضحك على الذقون كما هو ديدن الكثير من قادة ودعاة المشاريع الأخرى التي تركت بصمات واضحة على فشلها وضعفها وعدم جدوائيتها، بل لقد تميز هذا المشروع العظيم بمجموعة من الخصائص والمميزات التي أسهمت في بقائه وانتشاره، والتي فقدتها بالفعل المشاريع الأخرى، ومن تلك المميزات ما يلي:
بساطتها وسهولتها وقوة تأثيرها على العدو
قال شهيد القرآن السيد حسين بدرالدين الحوثي رضوان الله عليه (هذه الصرخة أليست سهلة، كل واحد بإمكانه أن يعملها وأن يقولها؟) وهي بالفعل كذلك، فهي لا تكلفك جهدا ولا تحتاج إلى خبرة ومهارة ولا تدرب ، وليست مرهونة بمحصلات دراسية وشهادات جامعية، ولا يشترط فيها الشعبية والوجاهة الاجتماعية والتجارة ورأس المال، بل وليس هناك شروط قبول كمقاسات البدن واللون والعرق والانتماء والنسب والنوع والصغر والكبر، إذ بإمكان الجميع أن يرفعوها وأن يندرجوا في مسار الانتماء إليها زمرا وآحادا، فهي ليست حكرا على أحد ولا صعبة المنال عند أحد وليس لها مكان و لا زمان محدد، إذ بإمكان أي شخص أن يرفعها في أي وقت وفي أي بلد ومن أي مكان سواء كان داخل بيته أو في المسجد أو السوق أو الشارع، وسواء كان مدنيا أو قرويا أو بدويا، يعرف القراءة والكتابة أو لا يعرفها.
ثم إنها بسيطة التركيب في ألفاظها، فلا تحتاج إلى شروح مطولة ولا تعريفات وتفسيرات ملونة، خمس عبارات مفهومة واضحة سلسة النطق شائعة الاستخدام عند الكل، ليست غريبة اللفظ ولا عويصة المعنى، عربيتها صرفة واضحة متداولة في كل اللهجات اليمنية والعربية، على لسان العامي والعالِم، والصحيح والمريض، والسليم والمعاق، فالكل بإمكانه أن يرفعها وأن يصرخ بها في وجهة المستكبرين، سواء في البلاد العربية أو خارجها، وسواء كان عربي المنبت أم أعجمي الانتماء.
وهذه الميزة سهلت تداولها وانتشارها بين أوساط المجتمع اليمني وخارجه، كما جعلت من الصرخة مشروعا عالميا يستطيع كل البشر أن ينتموا إليه وأن يرفعوها أنّى شاءوا وأينما شاءوا، وهي -مع كل هذه البساطة والسهولة- قوية التأثير على العدو، تهز كيانه وتزلزل عرشه، وتصيبه بالخوف والهلع لمجرد سماعها، وتؤثر عليه في شتى الجوانب نفسيا وثقافيا واقتصاديا وسياسيا وعسكريا وأمنيا، وقد وصفها الشهيد القائد رضوان الله عليه بقوله (إنها من وجهة نظر الأمريكيين -اليهود والنصارى- تشكل خطورة بالغة عليهم. لنقل لأنفسنا عندما نقول: ماذا نعمل؟ هكذا اعمل، وهو أضعف الإيمان أن تعمل هكذا، في اجتماعاتنا، بعد صلاة الجمعة، وستعرفون أنها صرخة مؤثرة، كيف سينطلق المنافقون هنا وهناك، والمرجفون هنا وهناك ليخوفوكم، يتساءلون: ماذا؟ ما هذا؟ أتعرفون؟ المنافقون المرجفون هم المرآة التي تعكس لك فاعلية عملك ضد اليهود والنصارى؛ لأن المنافقين هم إخوان اليهود والنصارى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ} (الحشر من الآية11) فحتى تعرفوا أنتم، وتسمعوا أنتم أثر صرختكم ستسمعون المنافقين هنا وهناك عندما تغضبهم هذه الصرخة، يتساءلون لماذا؟ أو ينطلقون ليخوفوكم من أن ترددوها. إذاً عرفنا أن باستطاعتنا أن نعمل، وأن بأيدينا وفي متناولنا كثير من الأعمال، وهذه الصرخة [الله أكبر/ صرخة الموت لأمريكا / الموت لإسرائيل/ اللعنة على اليهود -لأنهم هم من يحركون هذا العالم من يفسدون في هذا العالم-/ النصر للإسلام] هي ستترك أثرها، ستترك أثراً كبيراً في نفوس الناس).
جسدت العداوة لأعداء الله وفضحت أولياءهم
لا يوجد عمل واقعي وسلمي ومنظم ومؤثر نستطيع من خلاله إيصال صوت غضبنا والتعبير عن بغضنا وعداوتنا لأعدائنا أفضل من مشروع الصرخة الذي أثبت تأثيره وجدوائيته، فهو المشروع الذي استطعنا بالفعل تجسيد عداوتنا لكل من بغى وتكبر وتجبر علينا: أمريكا ومن سار في فلكها.
كما أنه المشروع الحقيقي الذي استطعنا من خلاله التأثير على عدونا قولا وعملا، فوصلت رسالتنا لهم جلية واضحة بأننا قوم نأبى الذل والهوان، وأن زمان القهر والاستعباد قد ولى. ولهذا نرى ونسمع تفاعل أعدائنا اللدودين مع هذا المشروع من منطلق الخوف والرهبة منه، وما تلك الحروب التي شنت ضده بألوانها وأنواعها وتفاوتها، وما تلك الأزمات بأشكالها وكمِّها إلا دلالة واضحة على أن هذا المشروع ناجح بكل المقاييس في تجسيد ما نحمله من عداوة ضد من يعادي أمتنا وديننا ومقدساتنا، ضد من يعتدي علينا وعلى شعوب أمتنا الإسلامية، ضد من تسول له نفسه القضاء علينا فكريا وثقافيا ووجوديا.
وهذا المشروع أيضا هو مجهر كشف العملاء وأولياء اليهود والنصارى، فهو الشيء الذي لم يستطع حتى مردة المنافقين أن يصبروا عليه وأن يتماشوا معه، بل لقد استثار حفائظهم، ونبش مكنون صورهم، وعَرَّى ما تخفيه أنفسهم من ود لليهود والنصارى وكره للمسلمين، فحاربوا هذا الشعار بكل قسوة. يقول الشهيد القائد رضوان الله عليه: (إن أعماق النفوس هو مكمن الحقائق، ففي أعماق النفوس تكون بذرات السَّخط، تكون هناك بذور الحرية، تكون هناك بذور الصرخات التي تسمعونها في وجوه أوليائكم, وفي وجوهكم. إن كل ما ينطلق منكم من عبارات تدل على مسارعة باتجاه فوق أو باتجاه تحت، إلى اليهود والنصارى فإنها تنبئ عن مرض في القلوب، وإن أول من هدد كل من تنطلق من فمه، أو يتحرك بما يدل على مرض في قلبه، إن أول من هدده هو الله، حيث يقول: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ}، بل هدد بأن حقائق أمركم ستكشف هناك: {وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ} [المائدة آية 53]
وجّهت بوصلة العداء نحو الاتجاه الصحيح
لقد أدرك اليهود والنصارى أثر وجود عداوة حقيقية في نفوس المسلمين ضدهم، حتى وإن غيبت عن أرض الواقع، حتى وإن كانوا هم المسيطرين على كل شيء، إلا أنهم يدركون جليا ما معنى هذه العداوة الكامنة في النفوس، فعملوا جاهدين بكل الوسائل والسبل على التخلص منها، ولأن سنة الله في الحياة قائمة على الصراع الأبدي بين الخير والشر، فلابد أن يكون هناك عداوة قائمة. أيضا قال تعالى {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً}[الفرقان آية31] ولأنهم عاجزون عن محو تلك العداوة من قرارة النفوس، ولكي يتخلصوا من تبعاتها فأمامهم حل وحيد هو حرفها في اتجاه آخر، وقد نجحوا في ذلك إلى حد كبير، حيث حرفوا بوصلة العداء نحو الداخل الإسلامي والعربي، وخلقوا لذلك مذاهب وأحزابا وفرقا وجماعاتٍ، ودعموا أفكار التفرقة وثقافة الشتات، ومزقوا الأمة أيّما تمزيق، حتى صار عدوك أخاك وقريبك، ونمّوا تلك العداوات ودعموها وروجوا لها، وخير شاهد على ذلك الفكر التكفيري الوهابي الذي يرى في إيران الإسلامية والفرق الشيعية وأهل السنة أشد الناس عداوة، فيستبيح دماءهم وأموالهم، ويهتك أعراضهم ويسبي نساءهم، فيما هو يواد اليهود والنصارى، ويتقرب منهم، ويطبع معهم، ويعالج مرضاه في مشافيهم، ويفتي حتى بحرمة لعن اليهود.
ولكن المشروع القرآني أتى ليعيد توجيه بوصلة العداء نحو وجهتها الصحيحة {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ} [المائدة من آية82 ]، يقول الشهيد القائد رضوان الله عليه (إنهم يدفعون المليارات من أجل أن يتفادوا السخط في نفوسنا. إنهم يعرفون كم سيكون هذا السخط مكلفاً، كم سيكون هذا السخط مخيفاً لهم، كم سيكون هذا السخط عاملاً مهماً في جمع كلمة المسلمين ضدهم، كم سيكون هذا السخط عاملاً مهماً في بناء الأمة اقتصادياً وثقافياً وعلمياً، هم ليسوا أغبياء كمثلنا يقولون ماذا نعمل. هم يعرفون كل شيء، من خلالهم تستطيع أن تعرف ماذا تعمل إذا كنت لا تعرف القرآن الكريم ماذا تعمل ضدهم؟ والقرآن الكريم هو الذي أخبرنا عنهم، وكيف نعمل ضدهم، فحاوِل أن تعرف جيداً ما يدبره اليهود والنصارى؛ لتلمس في الأخير إلى أين يصل، ولتعرف في الأخير ماذا يمكن أن تعمل).
كسرت حاجز الصمت
قبل الصرخة لم يكن أحد يستطيع أن يتفوه ببنت شفة في نقد الأنظمة العميلة لأمريكا و"إسرائيل" ما بالك بنقدهما.. لا من داخل اليمن ولا من خارجه، ولكن الوضع تغير تماما بعد أن جلجلت أول صرخة في وجه المستكبرين من فم الشهيد القائد رضوان الله عليه، تلك الصرخة التي كسرت حاجز الصمت المريب وحطمت جداره، ليقول لنا جميعا في ذلك اليوم (لا يجوز أن نسكت. بل يجب أن نكون سباقين، وأن نطلب من الآخرين أن يصرخوا في كل اجتماع في كل جمعة.. الخطباء، حتى تتبخر كل محاولة لتكميم الأفواه، كل محاولة لأن يسود الصمت ويعيدوا اللحاف من جديد على أعيننا. لقد تجلى في هذا الزمن أن كُشفت الأقنعة عن الكثير، فهل نأتي نحن لنضع الأقنعة على وجوهنا، ونغمض أعيننا بعد أن تجلت الحقائق، وكُشفت الأقنعة عن وجوه الآخرين؟! لا يجوز هذا، لا يجوز).
أعاقت مشروع تدجين الأمة لليهود
إن من أجلّ مظاهر نعمة الصرخة هي إعاقة مشروع تدجين الأمة لليهود وتوجيه أقسى الضربات لهذا المشروع وإلحاق أنكى الهزائم به، خاصة بعد مليارات الدولارات التي صرفت لهذا الغرض، وبعد قرون من الجهود المضنية ودهر من الأعمال والأعمار التي سخرت لهذا الغرض، يأتي هذا المشروع العظيم ليقضي على تلك الجهود في ظرف وجيز وبأقل تكلفة.
فبعد أن كادت الأمة تنهي مراسيم تسليم زمام قيادتها لأعدائها لتودع معه شيئا اسمه الحرية والاستقلال، وليفتح أمامها باب جديد اسمه التطبيع والتسامح، سابحة في قارب التطبيع نحو الفناء المحتوم، أتت الصرخة بمشروعها القرآني التوعوي لتعيق استكمال هذا المشروع، بل لتقتلعه من جذوره، ولتزرع بدلا عنه في الوجدان العربي والإسلامي الاعتزازَ بالهوية الإيمانية والإسلامية، ولتخط مشروع إحيائها في نفوس المنتمين لهذا الدين الحنيف. يقول السيد القائد عبد الملك بدرالدين الحوثي حفظه الله (نحن نؤكد أن من أخطر ما يعاني منه شعبنا وتعاني منه أمتنا الإسلامية في منطقتنا العربية وفي كثير من أقطار العالم الإسلامي هو حالة التدجين، الدور السلبي الذي تمارسه بعض القوى في تدجين الأمة، وفرض حالة الاستسلام، وتَقَبُّل حالة الهيمنة من جانب الأعداء، واستساغتها بما لذلك من عواقب سيئة على الناس في دنياهم وفي آخرتهم، هذا هو الخطأ، المخطئ حقاً والذي يسيء إلى أبناء دينه وإلى أمته وإلى نفسه، من يمارس دور التدجين، هو الدور الهدام غير المقبول، غير المنسجم لا مع هوية الأمة ولا مع مصلحة الأمة، لا ينسجم هذا الدور التدجيني لا مع مصلحة الأمة ولا مع هوية الأمة، أمّا هذا المسار الممانع، هذا المسار النهضوي، هذا المسار الحُرّ، الذي ينسجم مع هوية الأمة وينسجم مع مصلحة الأمة، فهو المسار السليم والصحيح).










