مع مرور أكثر من شهر على اتساع رقعة المواجهة وتحولها إلى صدامٍ مباشر ومفتوح بين أمريكا وكيان العدوّ الإسرائيلي وحلفاءه، وبين محور الجهاد والمقاومة الذي تقوده إيران، تبرز إلى السطح ملامح أزمة وجودية تتجاوز البعد العسكري الصرف لتضرب في العصب الحيوي للكيان المؤقت؛ حيث تحولت الصواريخ والمسيّرات الإيرانية والإسنادية إلى أدوات هدم ممنهجة ومتصاعدة للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي داخل العمق الصهيوني.
فبينما كانت حكومة المجرم نتنياهو تراهن على حصر المعركة في جبهات خارجية، نقلت طهران المعادلة إلى حرب البنية التحتية التي جعلت من المراكز الحيوية والصناعية والتسليح وإنتاج المنظومات الدفاعية والهجومية، وحتى الصحة النفسية للمغتصبين الصهاينة باتت أهدافًا مستباحة ضمن استراتيجية الألم الأكبر والردع المتدرج، وهو ما أفرز واقعًا يتسم بنزيف مالي غير مسبوق وشلل في سوق العمل، يرافقه انهيار في المنظومة النفسية التي تشكّل ركيزة الصمود والأمن الصهيوني الداخلي، ما يضع اقتصاد العدوّ أمام تساؤلات مصيرية حول القدرة على الاستمرار في صراعٍ طويل الأمد لا تلوح في أفقه بوادر تهدئة.
وتتجلى أولى ملامح هذا الانهيار في حركة النزوح الداخلي واتساع رقعة الاستهداف، حيث كشف تقرير إحصائي حديث أنّ نحو 5800 مستوطن صهيوني أُجبروا على إخلاء منازلهم، في ظل تركز العمليات على مناطق استراتيجية وحيوية مثل يافا المحتلة "تل أبيب" وديمونا وحيفا والنقب، وهو ما يعكس دقة التوجيه الإيراني الذي تجاوز العشوائية نحو ضرب مراكز الثقل.
هذا الواقع الميداني تُرجم إلى عبء مالي ثقيل، تمثل في تقديم أكثر من 21 ألف طلب تعويض عن أضرار لحقت بالمباني والمركبات والممتلكات الخاصة، وتركزت النسبة الأكبر منها، بحسب مصادر عبرية، في "تل أبيب وعسقلان"؛ ممّا يشير إلى أن "العمق" الذي كان يُعد آمنًا بات الجبهة الأكثر استهلاكًا لموارد الكيان.
وهو ما دفع الميزانية العامة لحكومة الاحتلال نحو حافة الخطر، حيث استقر هدف العجز عند 5% بعد اللجوء إلى اتفاقيات اضطرارية مع البنوك لتحويل "30 مليار شيكل" إلى الخزينة لتفادي فرض ضرائب قد تشعل الجبهة الداخلية، وسط توقعات قاتمة من البنك المركزي بارتفاع نسبة الدين إلى الناتج المحلي لتصل إلى 70% بحلول عام 2026م، ما يعني تحميل الأجيال القادمة كلفة خدمة دين قد تتجاوز "64 مليار دولار" في غضون عامين فقط.
هذه الأرقام الجافة تخفي وراءها شللاً بنيويًا في سوق العمل، حيث غاب نحو 490 ألف شخص عن وظائفهم، وهو ما يعادل 15% من القوة العاملة الإجمالية، نتيجة التجنيد الاحتياطي الواسع أو التسريح القسري والبطالة، ما أدى إلى خسائر فادحة في الإنتاج تضاف إلى التكلفة المباشرة للحرب التي قدرتها وزارة مالية العدوّ بنحو "50 مليار شيكل".
ورغم محاولات سوق رأس المال إظهار نوع من التماسك الصوري عبر ارتفاع أسهم شركات التأمين، إلا أن هذا الارتفاع ليس سوى انعكاس لزيادة الطلب على عقود الحماية والتحوط من المخاطر وليس علامة على التعافي؛ فالاستراتيجية الإيرانية التي تعتمد "الرد المتناسب" و"العين بالعين" بدأت تفرض قواعد اشتباك جديدة.
في السياق، يرى مراقبون وباحثون في معهد أبحاث الأمن القومي بجامعة "تل أبيب" أنّ العمليات الإيرانية تتبع نمطًا استراتيجيًا وتشغيليًا عالي الدقة، يهدف إلى خلق معادلة ردع تتجاوز الحدود التقليدية، لتشمل استهداف مصافي النفط ومنشآت الطاقة ردًّا على أيّ مساس بالبنية التحتية الإيرانية، وهي معادلة امتدت لتشمل حلفاء إقليميين وهدّدت طرق التجارة الدولية عبر مضيق هرمز، ناهيك عن المخاطر المحتملة عند دخول مضيق باب المندب خط المواجهة، ما يضع كيان العدوّ الإسرائيلي في حالة حصار اقتصادي وجيوسياسي مركب.
ولا تتوقف تداعيات الحرب عند الأرقام والبيانات المالية، وإنّما تمتد لتطال البنية النفسية للمجتمع الصهيوني التي بدأت تظهر عليها علامات التآكل، حيث يؤكّد خبراء الصحة العامة أن العيش تحت التهديد المستمر والإنذارات المتكررة لم يعد مجرد تحدٍ شخصي؛ بل تحول إلى عامل تراكمي يعيق الأداء الاقتصادي الكلي.
في الإطار، سجلت ما يسمى وزارة الصحة في كيان الاحتلال معدلات استهلاك مضادات الاكتئاب وأدوية القلق ارتفاعًا مطردًا، ما يعكس تحولاً جذريًا من الصدمة العابرة إلى القلق المزمن الذي يضرب إنتاجية العامل ويزيد من معدلات التغيب، في وقتٍ يعجز فيه نظام الصحة النفسية المتهالك عن استيعاب هذا الحجم الهائل من الطلبات.
هذا النزيف الصامت يمثل عبئًا طويل الأمد قد يؤثر على معدلات النمو لسنوات، خاصة في ظل حالة عدم اليقين التي تسيطر على أصحاب الأعمال الحرة الذين يجدون أنفسهم اليوم في مواجهة أزمتهم الاقتصادية الرابعة خلال سنوات قليلة، حيث يسود الشعور بأن كل خطوة للأمام يتبعها تراجع لخطوتين بسبب الإنذارات الصاروخية، لتبقى علامة الاستفهام الكبيرة معلقة فوق مستقبل كيان الاحتلال الذي يُكابر في مواصلة حربًا تستنزف مخازن سلاحه، وتنخر في عصب اقتصاده وروحه المعنوية.
المصدر الاعلام الامني




