وديع العبسي
مع استمرار عملية التحليل لأول مفاجآت القرن الجديد والتي تمثلت في مواجهة عسكرية طرفاها اليمن من جهة وقوى الشر -أمريكا وأتباعها- من جهة مقابلة، لم تعد النتائج تتحسس الكلمات اللائقة بدولة عظمى كالولايات المتحدة، أو تتهيّب جرح كبريائها، وإنما باتت تذهب بالتوصيفات بعيداً في سحق هالة الحضور الأمريكي عما كانت عليه من قبل.
كما منحت هذه الاستمرارية في محاولة استخلاص خلفية الجانب الإعجازي في هذه المواجهة، الكثير من الثقة والجرأة لإقصاء أمريكا من وضعية التفرد في إدارة وكسب جولات الصراع التي تثيرها كل فترة وأخرى، وإطلاق العنان للتعبيرات المناسبة لما ظهرت عليه في مواجهة القوات اليمنية، وكذا لترويضها من أجل تقبل الحقيقة الجديدة عقب دهر من الشيطنة والعربدة.
الانفتاح على تقزيم الإمبراطورية الأمريكية
صار جوهر التصريحات وعناوين التحليلات أكثر انفتاحاً على كل الكلمات المعبرة عن واقع القوة الحقيقية "الهشة" لأمريكا اليوم، ما يعزز من حقيقة أن هزيمة أمريكا لا تتطلب أكثر من عزم وإرادة على مواجهتها، فلحقت بها من المفردات: "الهزيمة و"الانسحاب" و"فقدان هالة الردع"، وعناوين مثل "صورة القوة الأميركية تتهشم تحت صواريخ اليمن"، و"الجيش اليمني استخدم تكتيكاً مبتكراً"، فضلاً عن وضع القوة الأمريكية في مقامات لم يكن بالإمكان تصور أن تكون فيها، فاعتبروها في وضعية "الاختبار" للحفاظ على هيبتها، واستعادة القدرة على الردع بعد أن سيّرت جحافلها من القطع البحرية وجاءت بهدف وضع حد للعمليات الإسنادية اليمنية لغزة، كما جرى التعامل مع هزيمتها في البحر كتحول استراتيجي محسوم، ينشطر إلى تفرعات قوية نابعة من جملة خصائص ظهر وتفوق بها اليمن، من السلاح إلى التكتيك.
هذا بدوره كان سبباً لبروز عبارات نادرة واستثنائية على لسان قادة العمل العسكري الأمريكي، فقالوا "لم يكن متوقعاً"، وقالوا "لم يحدث من قبل"، و"تجربة قاسية منذ الحرب العالمية الثانية"، و"التجربة الفاشلة"، و"أمريكا تفقد قوة الردع"، و"نكسة أمريكا في البحر الأحمر"، و"عشنا ضغطاً شديداً طوال الوقت".
ولا ينتهي الأمر عند هذا الحد، بل إن هناك من الأجهزة الحليفة لأمريكا من أضافت التعبير عن "القلق"، وأن العالم على موعد مع "سقوط القطبية الأمريكية". وبلغ الأمر منعطفاً حساساً، عندما تسببت نتيجة المواجهة بظهور من يتهم الجهاز العسكري بعدم القدرة على قراءة متطلبات المعركة، فقال إن فشل أمريكا "ارتبط بضعف تقدير إمكانات اليمنيين".
اليمن في مرتبة الأفضلية
في المقابل منحت القراءات التقييميةُ اليمنَ الاقتدارَ والأفضلية في ابتداع التكتيك وكسر المألوف في المواجهات التقليدية، بكثير من التحليل الذي ارتقى إلى ترشيح الأسلوب اليمني من قبل البعض لأن يكون منهجاً تعليمياً في الأكاديميات العسكرية العالمية، فتحدثوا عن دفعه حاملات الطائرات الأمريكية إلى الفرار، وإهانته لأنظمة الدفاع الأمريكية البالغة الدقة والذكاء التكنولوجي. حيث تطرقت شروحات منصات دولية إلى ابتكار اليمن مقذوفات عجزت أنظمة الإنذار المبكر والرادارات عن التعرف عليها أو اكتشافها.
كما أكدوا أن "حرب البحر الأحمر ليست مجرد مواجهة مع الحوثيين، بل مع منظومة صاعدة من الوعي المقاوم، تقود فيه اليمن -رغم الحصار والحرب- تحولاً جذرياً في ميزان الردع". وتحدثوا أيضاً عن تفرد اليمن في إدارة حرب برية في البحر وهي سابقة لم تشهدها كل حروب العالم.
يؤكد موقع "أديس ستاندارد" "أن ما لاقته البحرية الأمريكية والأوروبية في (باب المندب) أحد أهم ممرات الملاحة العالمية، ليست مشكلة بحرية؛ بل مشكلة برية، لأن الحوثيين تمكنوا من ترجمة قدرتهم البرية في المناطق التي يسيطرون عليها ليحولوها إلى تأثير عملياتي في البحر".
محك تحديد التوازنات
وخلال عامين كان السيد القائد يُشَرّح المعطيات، ويؤكد على موقف اليمن الثابت تجاه الأشقاء في غزة، ليُسلِّم الجميع بعدها بهذا الثبات المشبع بالثقة، فيبنوا عليه تحليلاتهم وتوقعاتهم. لذلك لم يكن غريباً أن يكرروا وبصورة تلقائية، ربط سلام البحر الأحمر بالسلام في غزة، والتحذير من أن انهيار وقف إطلاق النار في القطاع سيقوض العودة المتزايدة لخطوط الشحن إلى البحر الأحمر.
وفي هذه التفاصيل لم يكن لأمريكا أي حضور، فلم تعد هي من تقرر حركة الملاحة الدولية، ولم يعد بمقدورها تجاوز الخطوط الحمراء "الأخلاقية والإنسانية" التي حددها اليمن، لذلك لم تعد تشكل أي مستوى من ضمان استمرار الملاحة مع أي تصعيد "إسرائيلي" ضد الفلسطينيين، وهذا ما صار سائداً لدى كل شركات الشحن الدولية.
تقول شركة “ستاندرد آند بورز غلوبال” الأمريكية لتحليل البيانات إن “خطوط نقل الحاويات بدأت الآن في استئناف خدماتها عبر البحر الأحمر وسط انخفاض مستمر في هجمات الجيش اليمني”، إلا أن هذا الوضع -حسب الشركة- "قد يتغير بسهولة إذا استأنف الحوثيون هجماتهم”.
فيما حذر تقرير نشره موقع مجلة "القدس ستراتيجيك تريبيون" التي تتبنى وجهات نظر "إسرائيل" وأمريكا من أن "المصداقية الأمريكية" كضامن للأمن البحري العالمي تخضع الآن لاختبار مصيري في مياه الشرق الأوسط، وأن نتائج هذا الاختبار ستحدد شكل التوازنات الدولية في العقد القادم.










