في ذكرى مرور الألف يوم للعدوان الإسرائيلي على غزة، تقف الأرقام شواهدَ على مأساة إنسانية لا تكاد تستوعبها العقول، لكن خلف كل رقم حكاية، وخلف كل إحصائية روحٌ كانت تحلم وتأمل. إن أرقام المأساة هي سيرة شعب يئن تحت ركام الإبادة، ورصيد يعبر عن الإجرام الصهيوني الذي يفوق كل تصور.
ألف يوم. رقم قد يبدو عابراً في حسابات الأيام، لكنه في غزة يمثل دهراً من المعاناة المتواصلة. ألف يوم لم تغب فيها الشمس إلا على مشهد جديد من الدمار، ولم يشرق فيها الصباح إلا على حكاية فقد جديدة. 2.4 مليون إنسان حولهم الإجرام الصهيوني إلى ظلال تتنقل بين الركام، تبحث عن مأوى من قصف لا يتوقف، وعن لقمة تُسكِت صرخات الجوع، وعن قطرة ماء تروي ظمأ لا ينقطع.
تسعون بالمائة من القطاع أصابه الدمار. أحياءً بكاملها مُسحت من الوجود، وشوارع كانت تشهد صارت ممرات للثكالى. ثلاثة وسبعون ألفاً وستة وستون شهيداً وصلوا إلى المستشفيات. تسعة آلاف وخمسمائة مفقود من الذين لا يعرف ذووهم إن كانوا أحياءً يرزحون تحت الأنقاض أم أمواتاً لم تنلهم رحمة الدفن.
في هذه الأيام الألف، ارتقى واحد وعشرون ألفاً وخمسمائة طفل. طفل. كلمة تحمل كل معاني البراءة. من بينهم ألف واثنان وعشرون رضيعاً لم يتجاوزوا العام الأول من أعمارهم، لم يتعلموا المشي بعد، ومن هؤلاء خمسمائة وعشرون طفلاً ولدوا واستشهدوا في أثناء الحرب ذاتها. ولدوا ليروا النور، فإذا بهم يغادرونه قبل أن يعرفوه. أي قلب يحتمل أن تلد امرأة طفلها وسط القصف، لتفقده بعد أيام أو أسابيع أو أشهر؟ ولكن لا عجب، فما دام المجرمون هم اليهود فتوقع ما يفوق البشاعة والإجرام.
أما النساء، فارتقى منهن اثنا عشر ألفاً وخمسمائة، تسعة آلاف منهن أمهات. تخيلوا: تسعة آلاف بيت فقد أمّه. تسعة آلاف طفل لم يعد يجد حضناً دافئاً يلجأ إليه عند الخوف. وفي المقابل، اثنان وعشرون ألفاً وخمسمائة أب رحلوا تاركين خلفهم أطفالاً يسألون: "متى يعود أبي؟". كل هذا وأكثر يحدث في القرن الـ21، في عصر يشاع أنه عصر الحرية وحقوق الإنسان!.
عائلات محيت من السجل المدني
هنا تصل المأساة إلى ذروتها: ألفان وسبعمائة عائلة أبيدت بالكامل، ومسحت من السجل المدني. لم يعد لها وجود على الورق ولا في الواقع. أمست مجرد ذكرى في ذاكرة من عرفوها. ثمانية آلاف وخمسمائة وأربعة وسبعون شهيداً من هذه العائلات وحدها. عائلات كان لها تاريخ وأحلام ومستقبل، فصارت صفراً في سجلات الحياة. وهناك ستة آلاف وعشرون عائلة أخرى أُبيدت ولم يبق منها إلا ناجٍ واحد. إنسان وحيد يحمل عبء عائلة بأكملها، يجلس في خيمته أو تحت الركام، يتذكر وجوه أحبته، ويتساءل: لماذا بقيت أنا؟
هكذا أصبح الواقع بالمقلوب، فاليهود الذين يفترض بالمجتمع الدولي العمل على تخليص الناس من شرهم، نراهم هم من يسود العالم إجرامهم وفسادهم، وفي ذات الوقت نرى من يطالب بحقه المسلوب يذبح على مرأى ومسمع العالم، فهل نعي أهمية اقتناء السلاح بمختلف أنواعه في ظل هذا الإجرام؟
الجوع سلاحاً: موت بطيء على مرأى العالم
في القرن الحادي والعشرين، يموت البشر جوعاً في غزة. أربعمائة وستون شهيداً ارتقوا بسبب الجوع وسوء التغذية، بينهم مائة وأربعة وستون طفلاً. أطفال ناموا على أنين بطونهم الفارغة ولم يستيقظوا. نساء حوامل أجهضن لعدم وجود غذاء، بلغت حالات الإجهاض اثني عشر ألفاً.
أربعون ألف رضيع دون العام معرضون للموت جوعاً لنقص الحليب. أمهات لا يجدن ما يطعمن به أطفالهن الرضع، فيشهدنهم يذبلون يوماً بعد يوم، عاجزات عن فعل شيء. أي عذاب هذا الذي يجعل الأم تشعر أنها عاجزة عن حماية فلذة كبدها من جوع لا ذنب له فيه؟
ستمائة وخمسون يوماً والمعابر مغلقة تماماً. ثلاثمائة وتسعون ألف شاحنة مساعدات منعت من الدخول. الغذاء والدواء والماء والوقود، كلها تحولت إلى أسلحة في حرب لا تعرف الرحمة. خمسة آلاف ومائتا طفل يحتاجون إجلاءً طبياً عاجلاً، واثنا عشر ألفاً وخمسمائة مريض سرطان يواجهون الموت بلا علاج، وثلاثمائة وخمسون ألف مريض مزمن في خطر، ومائة وسبعة آلاف سيدة حامل ومرضع بلا رعاية صحية.
لنقف هنا لحظة ونتأمل: إن من يرتكب كل هذا الإجرام يسميهم مجلس الأمن دعاة سلام وأناس وديعون. في أوروبا وأمريكا إذا تكلمت عن اليهود الذين يرتكبون كل هذا الإجرام يتهمونك بأنك مناهض لما يسمى السامية! فعن أي عدالة يتحدثون؟ ومن هو الأحمق الذي يفرِّط في سلاحه وهو يواجه كل هؤلاء المجرمين؟!
التعليم: جيل مسلوب المستقبل
في غز يوجد ستمائة وعشرون ألف طالب في سن التعليم المدرسي حرمهم العدو الإسرائيلي من مدارسهم. تسعون ألف طالب جامعي حرمهم العدو أيضا من جامعاتهم. أكثر من عشرين ألف طالب استشهدوا بنيران الحقد الصهيوني. تخيلوا فصلاً دراسياً كاملاً كل تلاميذه وأساتذته أصبحوا شهداء، والمدرسة التي هو فيها أصبحت مدمرة، والطريق الذي يؤدي إليها مدمرا، فما مصير الصامتين والمتخاذلين؟
ثمانمائة وثلاثون معلماً وكادراً تربوياً قتلهم العدو الإسرائيلي. كم من حلم تعليم دفن معهم؟ مائة وأربعة وتسعون عالماً وأكاديمياً وباحثاً رحلوا، تاركين خلفهم أبحاثاً لم تكتمل، واكتشافات لم تر النور، وعقولاً نيرة أطفئت في عز عطائها. سبع عشرة جامعة ومؤسسة تعليم عالٍ دُمرت كلياً أو جزئياً. أليس كل هذا الإجرام شاهداً على النفسية اليهودية المتوحشة كما أكد ذلك القرآن الكريم؟
الطبيب يصبح ضحية
ألف وسبعمائة من الطواقم الطبية استشهدوا. أطباء وممرضون ومسعفون كانوا يحاولون إنقاذ الحياة ففقدوا حياتهم. كانوا يهرعون إلى مواقع القصف لا هرباً منها، بحثاً عن جريح ينزف، أو طفل يختنق تحت الركض، أو شيخ لا يقوى على الحركة. استهدفهم العدو الإسرائيلي بنيران حقده وهم يرفعون شارة الهلال الأحمر، وكأن هذه الشارة صارت هدفاً لا حماية.
ثمانية وثلاثون مستشفى قصفت أو دمرت أو أخرجت عن الخدمة. تسعة وتسعون مركزاً للرعاية الصحية لم تسلم. تسع وسبعون سيارة إسعاف استهدفت. ثلاثمائة واثنان وستون من الطواقم الطبية اعتقلوا، بقي منهم ثلاثة وثمانون وراء القضبان. تخيلوا مريضاً يصل إلى مستشفى فلا يجده، أو جريحاً ينتظر إسعافاً لن يأتي، أو طبيباً يمارس مهنته في خيمة بلا أدوات ولا تخدير. بل الأدهى من ذلك أن الصحة العالمية وغيرها من المنظمات لم تحرك ساكنا، وغابت هنا كل العناوين التي تنادي بحرمة استهداف المنشآت الصحية. لكن لأن اليهودي الصهيوني هو المجرم فلا ضير في ذلك، فالمؤسسات الدولية لم تنشأ إلا من أجل محو جرائمه والدفاع عنها في المحافل الدولية.
الطفولة المسلوبة: حكايات لم تكتمل
ثمانية وخمسون ألفاً وثمانمائة طفل صاروا أيتاماً في هذه الحرب. بينهم ألفان وسبعمائة فقدوا كلا الوالدين، هؤلاء وحدهم في العالم، لا أب يحميهم ولا أم تضمهم. ستة آلاف ومائة طفل فقدوا أمهاتهم، وخمسون ألفاً فقدوا آباءهم. في كل صباح يستيقظ هؤلاء الأطفال على فراق لا يبرح، ويسألون أسئلة لا يملك أحد إجابة عنها: لماذا رحلوا؟ وهل سأراهم مجدداً؟ ومن سيهتم بي الآن؟ لكن هذا الطفل ما إن يكبر حتى يعي حقيقة ما جرى، وعلى الأجيال الصاعدة يعقد الرهان للاقتصاص لتلك الدماء.
إذا كان الطفل قد نجا من قذيفة إسرائيلية، فإنه لم ينج من العزلة والتشرد. أكثر من مليوني إنسان تعرضوا للنزوح القسري. عائلات تركت بيوتها، لا لشيء إلا لأن الصهيوني أراد أن يدمرها ليشبع غريزته الشيطانية. مائة واثنان وثلاثون ألف خيمة اهترأت كلياً من أصل مائة وخمسة وثلاثين ألفاً. من تبقى له خيمة تؤويه، يخشى أن تذروه الرياح أو تغرقه الأمطار، فالعدو الإسرائيلي يمنع حتى إدخال خيمة واحدة إمعانا منه في الانتقام ممن بقي على قيد الحياة.
ثمانية وعشرون إنساناً استشهدوا من شدة البرد في مخيمات النزوح، خمسة وعشرون منهم أطفال. أطفال قتلهم البرد في خيمة من قماش، في مشهد يعيد البشرية قروناً إلى الوراء.
قصف المساجد والمقابر والأثر
ألف وسبعة وأربعون مسجداً دمرت تدميراً كاملاً من أصل ألف ومئتين وخمسة وسبعين مسجداً. لم يبق في غزة إلا القليل من المآذن التي كانت ترفع الأذان خمس مرات في اليوم. صمتت المآذن، لكن صمتها أبلغ من أي صوت. ثلاث كنائس استهدفت أيضاً، وعشرون من أبناء الطائفة المسيحية قتلوا في حرب لا تفرق بين دين ودين. لكن الأعجب من ذلك أناس يحسبون أنفسهم على الإسلام حركوا مئات الطائرات والدبابات وعشرات الآلاف من الجنود لقتل إخوتهم المسلمين ضمن معارك أطلقوا عليها معارك "الدفاع عن الإسلام"، فأي إسلام دافعوا عنه؟ ولماذا تسكت هذه المعارك أمام العدو الأول للأمة الإسلامية؟!
أربعون مقبرة دمرت من أصل ستين. ألفان وأربعمائة وخمسون جثماناً سرقت من المقابر. حتى الموتى لم يسلموا من العبث الصهيوني. سبع مقابر جماعية أقامها العدو داخل المستشفيات، انتشل منها خمسمائة وتسعة وعشرون شهيداً. فحينما تتحول المشافي إلى مقابر فاعلم أنك أمام صفحة من الإجرام الصهيوني.
مئتان وثمانية مواقع أثرية وتراثية استهدفت. آثار تحكي آلاف السنين من تاريخ الأرض والإنسان، دمرت في لحظات. كأن الحرب لا تريد فقط قتل الحاضر، بل محو شواهد الماضي أيضاً.
الأرض لم تَسلم: تدمير الزراعة والثروة الحيوانية
سبعة وثمانون بالمائة من الأراضي الزراعية دمرت. ثمانية آلاف وسبعمائة بئر زراعية خرجت من الخدمة. سبعة آلاف وسبعمائة وثمان وأربعون مزرعة أبقار وأغنام ودواجن دمرت. تسعة وتسعون بالمائة من الثروة السمكية تضررت. خمسمائة وأربعة وعشرون ألف طن من إنتاج الخضار والفواكه تراجع إلى عشرين ألف طن فقط.
هذه الأرقام تعني شيئاً واحداً: القتل بطرق وألوان مختلفة، ولا شيء في جعبة الصهيوني غير القتل، فمن لم يمت بالقصف سيواجه الموت جوعاً.
تسعة وستون ألف رأس من الحيوانات قتلت. أبقار كانت تدر حليباً لأطفال، وأغنام كانت مصدر لحم وصوف، ودواجن كانت تقدم بيضاً، كلها ذهبت، تاركة خلفها جوعاً لا يرحم.
إعلاميون يكتبون بالدم: شهادة على الحقيقة
مئتان واثنان وستون صحفياً استشهدوا. صحفيون كانوا عيون العالم على غزة، كانوا ينقلون الحقيقة، فكانت الحقيقة سبب موتهم. يحملون كاميراتهم وأقلامهم، لا ليحاربوا، بل ليوثقوا. لكن يبدو أن توثيق الجريمة صار جريمة تستحق الموت. هكذا أراد الصهيوني لغزة: يحاصر، يقتل، يجوّع، أما نهاية القصة فيريد أن ينهيها العدو نفسه بعد أن قتل الضحية والشاهد، لكن هيهات له ذلك.
أرقام لا تقال: حكاية الخسائر المادية
بلغت الخسائر الأولية المباشرة للإبادة ثمانين مليار دولار. أربعة وثلاثون ملياراً للقطاع الإسكاني وحده. ستة مليارات للقطاع الصحي. أربعة مليارات للتعليم. هذه أرقام فلكية، لكنها لا تقارن بثمن الحياة. لا يوجد مليار دولار يعوض أماً عن ابنها، ولا بيتاً يُعاد بناؤه يعيد ذكريات عائلة سكنته.
خمسمائة وعشرة آلاف وحدة سكنية متضررة، ثلاثمائة وخمسة وثلاثون ألفاً منها دمرت تدميراً كاملاً. ثلاثمائة وخمسون ألف أسرة فلسطينية تحتاج إلى إيواء. سبعمائة وخمسة وعشرون بئر ماء مركزي دمرت. خمسة آلاف وثمانون كيلومتراً من شبكات الكهرباء دمرت. ثلاثة ملايين متر طولي من شبكات الطرق والشوارع دمرت. بنية تحتية دمرت بالكامل، فهل يعي العالم ماذا تعني هذه الأرقام؟ وهل وصل الاستخفاف بالدم العربي إلى هذا المستوى؟
الحكاية التي لن تنتهي
هذه الأرقام هي حكاية إنسان. حكاية أم ودّعت طفلها ولم تودع الأمل بلقائه. حكاية أب دفن عائلته بيديه تحت ركام بيته. حكاية طفل أصبح يتيماً قبل أن يتعلم معنى اليتم. حكاية مريض ينتظر دواء لا يأتي. حكاية طالب يبحث عن قلم بين الأنقاض. حكاية شعب بأكمله يحاول أن يبقى إنساناً في عالم نسي إنسانيته لأن المجرم من جنس بني يهود.
في اليوم الألف، هذه الأرقام شاهدة على أننا أمام فئة لا خيار أمام إجرامها سوى تخليص البشرية من شرها وبطشها، فالمشهد في غزة ببساطة: هنا كان بشر، هنا عاش بشر، هنا مات بشر. وكل ما تبقى من ذكراهم هو رقم في تقرير، بمثل شهادة كفيلة بإسكات مدعي تصدير السلام وحقوق الإنسان.
ألف يوم مضت. وألف حكاية وجع. وألف سؤال بلا إجابة. وغزة -رغم كل شيء- ما زالت تقول: نحن هنا، وسنبقي، وأحرار الأمة شوكة في حلوق الصهاينة، لن يقر لنا قرار ما دام اليهود في أرض المسرى، فلا أحد في هذا العالم يحول بين الله وتحقيق وعده بالنصر والغلبة على أعدائه من قتلة الأنبياء والمرسلين.










