يحيى الشامي
في مشهدٍ دراميٍّ لا يزال صداه يتردد في أروقة السياسة الإقليمية والدولية، شهدت العاصمة اليمنية صنعاء في الحادي عشر من فبراير 2015 لحظةً فارقةً تجسدت في الانسحاب المتسارع للقوات الأمريكية والدبلوماسيين من سفارتها، وهو الهروب الذي كان إيذانًا بنهاية حقبةٍ طويلةٍ من النفوذ الأمريكي العميق، الذي تجاوز حدود التمثيل الدبلوماسي ليمس جوهر السيادة اليمنية ويتوغل في كثير من مفاصلها، لقد مثّل هذا التاريخ نقطة تحولٍ حاسمةً في مسار التحرر الوطني، بل وحتى نادرة في تاريخ اليمن للحديث، كاشفًا عن إمكانية نسف ما كان يظنه الامريكي مداميك راسخة لوجوده في لحظة نضوج إرادة التغيير الداخلي.
السفارة الأمريكية: بيت الحكم ودار القرار
لطالما تجاوز دور السفارة الأمريكية في صنعاء وظيفتها التقليدية كبعثة دبلوماسية، ولعبت بجرأة خارج قواعد العمل الدبلوماسي المتعارف والذي تحكمه قوانين العلاقات الدولية، فوفقًا للتحليلات والتقارير المتتبعة لأنشطة ودور السفارة، تحولت على مدار سنواتٍ إلى ما يمكن وصفه بـ مركز قيادةٍ فعليٍّ للسياسة الأمريكية في اليمن، حيث كانت تمارس نفوذًا واسعًا في الشؤون الأمنية والعسكرية والسياسية وحتى الاجتماعية. لم تكن مجرد نقطة اتصال، بقدر ما كانت بمثابة مقرٍ لـ "الحاكم الأمريكي" غير المعلن، الذي يوجه دفة القرار في البلاد، تجلت هذه الهيمنة في الأدوار المحورية التي اضطلع بها السفراء الأمريكيون المتعاقبون، الذين تجاوزت مهامهم البروتوكولات الدبلوماسية لتشمل إدارة ملفاتٍ حساسةٍ ومصيرية: السفير إدموند هول (2001) يُنظر إليه كمهندسٍ للسياسة الأمنية الأمريكية في اليمن بعد حادثة المدمرة "كول" عام 2000. فقد أسس لآليات التعاون الأمني والعسكري، ووضع أطر استهداف من يُصنفون كـ "إرهابيين"، ما فتح الباب أمام تغلغلٍ استخباراتيٍّ وعسكريٍّ غير مسبوق. والسفير جيرالد فايرستاين (2010-2014): يُوصف بأنه "رئيس الرؤساء"، حيث امتلك صلاحياتٍ واسعةً في توجيه القرارات السياسية والأمنية، والإشراف على العلاقات الخارجية لليمن، بل وتدخل في إعادة هيكلة الجيش اليمني، و كان دوره يمثل تجسيدًا حيًا لمفهوم الوصاية، حيث كان اللاعب الأبرز في المشهد اليمني، متجاوزًا حتى سلطة الرئاسة والحكومة اليمنية نفسها.
شبكة السيطرة الأمنية والاستخباراتية
من ممارسة النفوذ على الجانب السياسي والدبلوماسي، امتدت الهيمنة الأمريكية عبر السفارة لتشمل بناء شبكةٍ معقدةٍ من السيطرة الأمنية والاستخباراتية. تحولت السفارة إلى قاعدة إقليمية لوكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، تغطي عملياتها منطقة الخليج والقرن الأفريقي. وقد ضمت هذه القاعدة مئاتٍ من عناصر الـ CIA من ضباط وعملاء ومحللين، يعملون تحت غطاء دبلوماسي. تضمنت مظاهر هذا التغلغل التواجدَ العسكري المكثف، إذ أرسلت وزارة الدفاع الأمريكية آلاف الضباط والخبراء والجنرالات إلى اليمن، تحت ذريعة تدريب القوات اليمنية ومكافحة الإرهاب. وقد تزايد عدد مشاة البحرية الأمريكية في السفارة ومحيطها، بالإضافة إلى تواجدهم في معسكرات القوات الخاصة اليمنية، ما حول السفارة إلى ثكنة عسكرية محصنة.
سلطة فوق السيادة لسيادة
فرضت السفارة الأمريكية شروطًا على السلطات اليمنية، تضمنت عدم تفتيش الأفراد الأمريكيين أو شحناتهم، والسماح لهم بالتحرك بحرية تامة داخل اليمن ببطاقات هويتهم العسكرية، وحتى ارتداء الزي العسكري، كما ألغت وجود الحماية المتحركة من القوات الأمنية اليمنية، ما منح الأمريكيين حرية حركة غير مقيدة، وأظهر سيطرة شبه كاملة على السيادة اليمنية، ومنه الى مراقبة المنافذ، فقد كانت السفارة تتحكم بمراقبة المطارات والموانئ والمنافذ الحدودية اليمنية، من خلال برامج مراقبة أنشأتها الولايات المتحدة، ما يؤكد الطبيعة الاستخباراتية والأمنية العميقة لتواجدها.
ثورة 21 سبتمبر شرارة الانهيار
أمام حجم التغول الأمريكي الممتد والمتجذر في المشهد لليمني تنامى في المقابل المشروع القرآني التحرري والذي امتلك عناصر القوة الكفيلة بوضع حد لسلطة السفير ودور السفارة السيادي على كافة مناحي الدولة ومفاصلها، فجاءت ثورة 21 سبتمبر 2014 -التي قادتها قوى داخلية- لتشكل نقطة تحولٍ جذريةً في المشهد اليمني. أطاحت هذه الثورة بالوصاية الأمريكية على الشأن السياسي والأمني، وكشفت عن إمكانية الحد من مفاعيل القوة الأجنبية في حال توافرت الإرادة الشعبية الممتلئة بالإيمان والمتسلحة بالإرادة، اعترف المسؤولون الأمريكيون -أنفسهم- بأنهم فقدوا السيطرة على عملياتهم وتحركاتهم في اليمن بعد هذه الثورة، ما جعل هروبهم خيارهم الوحيد الممكن.
الهروب المتسرع والنهاية المذلة
الهروب الأمريكي في 11 فبراير 2015 كان مشهدًا يحمل دلالاتٍ عميقةً على نهاية حقبةٍ بدت أن لا نهاية لها. تفاصيل هذا "الهروب المذل" كشفت عن حجم الارتباك والسرية التي أحاطت به من إحراق الوثائق في الأيام التي سبقت الانسحاب، وتحديدًا في 8 و 9 فبراير 2015، تصاعدت أعمدة الدخان من جوار السفارة الأمريكية؛ تبين لاحقًا أن هذا الدخان كان ناتجًا عن إحراق متعمد للملفات الوثائقية والأرشيفية الحساسة الخاصة بالـ CIA، في محاولة يائسة لمحو آثار سنواتٍ من العمليات الاستخباراتية قبل المغادرة القسرية.
سفينة "إيو جيما" بانتظار الهاربين
كانت السفينة الهجومية البرمائية الأمريكية "إيو جيما"، برفقة وحدة من مشاة البحرية الأمريكية، متمركزة قبالة السواحل اليمنية في البحر الأحمر منذ 25 يناير 2015، في وضع استعدادٍ لتقديم المساعدة في إجلاء موظفي السفارة وطاقمها، ما يؤكد الطبيعة الطارئة والمتوقعة للهروب، كذلك حين جرى تدمير الأسلحة عند وصول آخر دفعة من مشاة البحرية الأمريكية وعناصر الـ CIA إلى مطار صنعاء، إذ حاولوا المغادرة بأسلحتهم الشخصية، لكن أمن المطار أصر على تطبيق القواعد الدبلوماسية التي تمنع حمل الأسلحة، في مشهدٍ لم يألفه الأمريكيون من قبل، فقام الجنود الأمريكيون بتدمير أسلحتهم الشخصية بالمطار باستخدام المطارق، في فعلٍ رمزيٍّ يعكس نهاية دورهم العسكري في اليمن إيذانا بمرحلة تحرره وانتصار إرادته.
إعادة تشكيل المشهد الإقليمي
كان لانسحاب القوات الأمريكية من صنعاء تداعياتٌ واسعةٌ، لم تقتصر على الجانب الدبلوماسي، بل امتدت لتشمل إعادة تموضعٍ استراتيجيٍّ لوكالة الاستخبارات المركزية. فقد نقلت الولايات المتحدة مقرها الإقليمي -الذي يضم الخليج والقرن الأفريقي- من صنعاء إلى العاصمة العمانية مسقط بعد إغلاق السفارة في صنعاء، وقد أشارت تقارير إلى أن وكالة الاستخبارات المركزية "لم تتمكن من إنقاذ شبكة استخباراتها التي جمعتها في صنعاء، وفقدت غالبية بياناتها ومعلوماتها"، ما يمثل ضربةً قاسيةً لقدراتها الاستخباراتية في المنطقة. وصف مسؤولون أمريكيون سابقون وحاليون إغلاق السفارة الأمريكية في اليمن بأنه "انتكاسة كبيرة" لوكالة الاستخبارات المركزية في عملياتها ومهامها المشبوهة، ليس في اليمن وحسب، بل وحتى في الجزيرة ونطاق عملياتها الممتد إلى القرن الأفريقي، إيذانًا ببدء مرحلةٍ جديدةٍ في المشهد اليمني والإقليمي، حيث تتغير موازين القوى وتتراجع الهيمنة الأجنبية أمام صعود الارادة الثورية وتنامي المشروع القرآني وسدّهِ الفراغ الكبير الذي خلفه الأمريكيون لحظة هروبهم.
يمثل الحادي عشر من فبراير 2015 نقطة تحولٍ حاسمةً في تاريخ العلاقات اليمنية الأمريكية، على طريق نيل الحرية واستعادة السيادة، ورمزًا لانهيار حقبةٍ من الهيمنة والنفوذ، وأتاح لبقية شعوب المنطقة معاينة تجربة فريدة تعيد إلى نفوسهم الأمل بإمكانية مواجهة التدخل الأجنبي والتغلب عليه مهما بدى موغل الجذور ومكين النفوذ.










