تقرير | هاشم أبوطالب
المصدر: وسائل الإعلام العبرية (القناة 12، القناة 13، القناة 14، القناة 15، قناة كان، يديعوت أحرونوت، معاريف، هآرتس، والاه) وبيانات "جيش" العدو الإسرائيلي
خلال عشرة أيام فقط من استئناف المقاومة الإسلامية عملياتها العسكرية دفاعاً عن لبنان وشعبه، انكشفت أمام الرأي العام الإسرائيلي والعالمي صورة مغايرة تماماً للرواية التي روجتها المؤسسة العسكرية والسياسية في الكيان الإسرائيلي، فبعد أن أعلن قادة الكيان الإسرائيلي في نهاية الحرب السابقة أن "حزب الله دُفع إلى ما وراء الليطاني" و"فقد قدراته"، ها هو الحزب يعود ليوجه ضربات موجعة تكشف أن التقديرات الإسرائيلية لم تكن مجرد خاطئة، بل كانت وهمية بالكامل.
لم تكن ردود فعل العدو مجرد تصريحات صحافية عابرة، بل شكلت اعترافاً متكاملاً بأزمة وجودية تضرب أعمق ما يملكه الكيان: "جيشه" الذي يُعد عموده الفقري، و"جبهته الداخلية" التي تمثل شرط بقائه، فمن "رئيس الأركان" الذي يرفع "الأعلام الحمر" محذراً من انهيار "الجيش" الإسرائيلي، إلى رؤساء المستوطنات الذين يبكون على الهواء متهمين حكومتهم بالتخلي عنهم، إلى وسائل الإعلام التي تنقل صور مدن الأشباح في شمال فلسطين المحتلة، كلها تشكل لوحة واحدة لعدو يدرك أنه دخل معركة لم يحسب لها حساباً.
في هذا التقرير، نستعرض تفاصيل ردود فعل العدو الإسرائيلي على عمليات المقاومة، محاولين تقديم صورة تحليلية متكاملة لأبعاد الأزمة التي ضربت الكيان من الداخل، وما تعنيه هذه الاعترافات من دلالات استراتيجية حول ميزان القوى في المعركة الراهنة.
أزمة القوى البشرية – "الجيش الإسرائيلي" على شفير الانهيار
صدمة قيادة العدو العسكرية
في مشهد غير مسبوق منذ حرب تشرين الأول 1973، ظهر "رئيس أركان" جيش العدو الإسرائيلي، الصهيوني "إيال زامير"، أمام "المجلس الوزاري المصغر" للشؤون الأمنية (الكابينت) ليطلق تحذيراً لم تسمع "المؤسسة العسكرية" الإسرائيلية مثله منذ عقود، وفقاً لما نقلته مراسلة الشؤون السياسية في قناة "كان" العبرية، قال "زامير" بصوت لم يخلُ من القلق: "الجيش الإسرائيلي سينهار من الداخل إذا لم يتم إيجاد حل لأزمة القوى البشرية"، ولم يكتفِ بذلك، بل أضاف بعبارة أصبحت حديث وسائل الإعلام العبرية: "أنا أرفع 10 أعلام حمراء".
ما الذي دفع أعلى قائد عسكري في الكيان الإسرائيلي إلى هذا المستوى من التحذير العلني؟ وفقاً للتفاصيل التي تسربت من اجتماع "الكابينت" الإسرائيلي، فإن زامير أوضح أن "الجيش" الإسرائيلي يعاني نقصاً فادحاً في عدد الجنود النظاميين والاحتياط، في وقت تتسع فيه رقعة المهام العسكرية بشكل غير مسبوق، فـ"جيش" العدو الإسرائيلي منخرط اليوم في حرب متعددة الجبهات: عدوان متواصل على قطاع غزة، عمليات عسكرية في الضفة الغربية، عدوان ومحاولات توغل بري في جنوب لبنان، بالإضافة إلى المواجهة المفتوحة مع إيران التي تتطلب نشراً جوياً واستخباراتياً مكثفاً.
في هذا السياق، كشف ضابط كبير في الجيش الإسرائيلي -في تصريحات نقلتها القناة 13 العبرية- أن "الجيش يفتقر إلى نحو 13 ألف جندي، وهو رقم يعجز عن سد الفجوة بين المهام المطلوبة والقدرات المتاحة". وأضاف الضابط أن "الوضع سيزداد سوءاً اعتباراً من كانون الثاني 2027، عندما يتم تقليص مدة الخدمة النظامية إلى 30 شهراً بدلاً من 36 شهراً، ما يعني خسارة آلاف الجنود الإضافيين في وقت تشتد فيه الحاجة إليهم".
"احتياط" العدو لا يصمد
ولم تقتصر الأزمة على جنود العدو "النظاميين"، بل طالت "قوات الاحتياط" التي تشكل العمود الفقري لأي حرب إسرائيلية موسعة، ففي تصريح نقلته القناة 12 العبرية عن مصادر عسكرية، تبين أن "جنود الاحتياط" في "جيش" العدو "لم يعودوا قادرين على الصمود تحت وطأة الاستنزاف المستمر، فبعد أشهر من الاستدعاءات المتكررة، والخدمة الطويلة التي تمتد إلى ما يفوق المدة القانونية، بدأ جنود الاحتياط يرفضون التلبية، أو يعانون من الإرهاق النفسي والجسدي الذي يؤثر على أدائهم القتالي"، وهذا الواقع دفع "رئيس الأركان" في "جيش" العدو "زامير" إلى المطالبة بإقرار قانون جديد للتجنيد يشمل جميع أطياف الصهاينة، في إشارة واضحة إلى أزمة إعفاء "الحريديم" من الخدمة العسكرية التي طالما مثلت نقطة خلاف داخلية، لكن المفارقة أن الأزمة لم تعد تقتصر على "الحريديم"، بل امتدت إلى قطاعات واسعة من الصهاينة الذين يفقدون الثقة في قدرة "جيش" العدو على تحقيق النصر.
انعكاسات على الأداء الميداني
هذه الأزمة البشرية لم تبق في حدود الغرف المغلقة، بل انعكست بوضوح على الأداء الميداني للعدو الإسرائيلي في جنوب لبنان. ففي تصريح نقلته القناة 12 عن مصادر عسكرية، تبين أن "جيش" العدو يعاني صعوبة في تنفيذ المناورة البرية بسبب نقص القوات، ما يجعله يعتمد على عمليات توغل محدودة لا تتجاوز "قشرة القرى الحدودية". وأقرّ قائد "المنطقة الشمالية" في "جيش" العدو الإسرائيلي بأن الحرب مع حزب الله لن تنتهي باستسلامه، مشيراً إلى أن "الحديث عن إقامة حزام أمني أو تجريد الحزب من سلاحه لا يندرج ضمن خطط الجيش الإسرائيلي"، في اعتراف صريح بعجز العدو عن تحقيق الأهداف التي أعلنها في بداية المعركة.
أما على مستوى الخسائر البشرية، فقد كشف المتحدث باسم "جيش" العدو عن مقتل ضابط من "الكتيبة 77 في اللواء المدرع السابع" خلال معركة جنوب لبنان، وإصابة أربعة آخرين. وفي وقت لاحق، أعلن عن مقتل جندي صهيوني من "وحدة النخبة" في لواء "غولاني"، فيما كشفت القناة 12 أن مقتل الضابط الصهيوني جاء نتيجة كمين محكم نفذه مقاتلو حزب الله في بلدة دير سريان، حيث اشتبك عناصر المقاومة مع قوة "غولاني" وجهاً لوجه من مسافة صفر.
أزمة الدفاع الجوي - اعترافات صريحة بالعجز
في واحدة من أكثر الاعترافات إيلاماً للقيادة العسكرية الإسرائيلية، تحدثت وسائل الإعلام العبرية عن أزمة حقيقية تعصف بمنظومات الدفاع الجوي، وخاصة "القبة الحديدية" التي طالما شكلت رمزاً للتفوق التكنولوجي الإسرائيلي.
ففي تقرير نشرته القناة 12 العبرية، نقلت عن مصادر أمنية قولها: "مخزون صواريخ الاعتراض ليس مخزناً لا ينفد"، مضيفة أن الرقابة العسكرية تمنع الحديث عن الرقم الحقيقي المتبقي من الصواريخ الاعتراضية. هذا التصريح -رغم حذره- كشف عن حقيقة أن "إسرائيل" تواجه معادلة صعبة: كل صاروخ تطلقه المقاومة يستنزف صاروخاً اعتراضياً، ومع استمرار وتيرة الإطلاق المرتفعة، فإن المخزون الإسرائيلي يتجه نحو النضوب بشكل أسرع مما كان مقدراً.
أما القناة 15 العبرية، فذهبت إلى أبعد من ذلك عندما تحدثت عن فشل الاعتراض في مناسبات متعددة، مشيرة إلى أن "عملية الإطلاق من لبنان مرت عبر العديد من أنظمة الدفاع الجوي إلى غلاف غزة". هذا يعني أن الصواريخ التي أطلقت من لبنان لم تنجح فقط في اختراق الدفاعات الجوية في شمال فلسطين المحتلة، بل واصلت طريقها حتى وصلت إلى "غلاف غزة"، وهو ما يمثل فشلاً ذريعاً لمنظومة دفاع جوي كانت تعد من الأكثر تطوراً في العالم.
استراتيجية المقاومة في تعقيد الاعتراض
لم تخف وسائل الإعلام العبرية إعجابها القسري بالتكتيكات الجديدة التي تعتمدها المقاومة الإسلامية في لبنان في إطلاق الصواريخ والمسيرات، ففي تقرير مفصل نشرته القناة 12 العبرية أشار مراسل الشؤون العسكرية "نيتسان شابيرا" إلى أن "حزب الله يعقّد مهمة الجيش الإسرائيلي في تحديد مواقع إطلاق الصواريخ، من خلال تغيير نمط إطلاقها وتوزيع منصات الإطلاق على نطاق أوسع، بما يشمل مناطق بعيدة وداخل جنوب لبنان".
هذه الاستراتيجية الجديدة، التي وصفها "شابيرا " بأنها ترفع من صعوبة استهداف المنصات، تعكس تطوراً نوعياً في أداء المقاومة، التي لم تعد تعتمد على منصات إطلاق ثابتة يمكن للاستخبارات الإسرائيلية رصدها وقصفها، بل تنتقل بسرعة بين مواقع متعددة، ما يجعل مهمة تدميرها أشبه بـ"ضرب الماء".
كما كشفت القناة 12 العبرية عن أن حزب الله أصبح يستخدم أسلوب "إطلاق المسيّرات الاستطلاعية لساعات طويلة فوق شمال الكيان دون القدرة على إسقاطها"، ثم يقوم لاحقاً بعمليات قصف مركزة تصيب النقاط العسكرية نفسها التي جرى استطلاعها. هذا التكتيك يضيف طبقة جديدة من التعقيد أمام الدفاعات الجوية الإسرائيلية، التي تجد نفسها مضطرة للتعامل مع تهديدات متعددة في وقت واحد.
الخسائر في صفوف العدو الإسرائيلي
نتيجة هذا الفشل في الاعتراض، تكبد العدو الإسرائيلي خسائر كبيرة في صفوف "جنوده" و"ضباطه". ففي تقرير نشرته القناة 15 العبرية، أشارت إلى أن "ثلثي الصواريخ التي يطلقها حزب الله موجهة نحو القوات المتوغلة في جنوب لبنان". هذا يعني أن قوات العدو البرية التي تعمل داخل الأراضي اللبنانية باتت في مرمى النيران بشكل متواصل، دون أن تتمكن الدفاعات الجوية للعدو من توفير الحماية الكافية لها.
وفي اعتراف آخر، قالت القناة 12 العبرية إن "القبة الحديدية تحاول اعتراض الصواريخ التي تُطلق باتجاه القوات الإسرائيلية جنوب لبنان في المنطقة الحدودية، لكن الكثير من الإصابات وقعت في صفوف "الجيش" بسبب هذه الصواريخ". هذا التصريح يضع النقاط على الحروف: "القبة الحديدية" -التي صممت أساساً لاعتراض الصواريخ قصيرة المدى- لم تعد قادرة على توفير الغطاء الدفاعي لقوات العدو المتوغلة في جنوب لبنان.
أزمة المدرعات – دبابات الميركافا تحترق
الإقرار بالخسائر الفادحة
إذا كانت أزمة القوى البشرية تمثل الخطر الأكبر على المدى الطويل، فإن الخسائر في المدرعات تمثل الضربة الأكثر إيلاماً للعدو الإسرائيلي على المدى المباشر، فالدبابة "ميركافا" التي طالما شكلت رمزاً للتفوق العسكري الإسرائيلي تحولت إلى هدف سهل للصواريخ الموجهة التي تستخدمها المقاومة.
في تقرير نشرته القناة 15 العبرية، تحدثت عن تفاصيل مقتل ضابط صهيوني وإصابة أربعة آخرين جنوب لبنان، مشيرة إلى أن "قوة دبابات من الكتيبة 77 كانت تنفذ هجوماً في منطقة إصبع الجليل بجنوب لبنان تحت قيادة الفرقة 36، تعرضت لكمين بصواريخ مضادة للدروع أُطلقت من شمال الليطاني (على بُعد عدة كيلومترات من القوة)". وأضاف التقرير أن "الصاروخ المضاد للدروع الأول تم اعتراضه بواسطة منظومة تروفي، ثم أُطلق صاروخ آخر بعد وقت قصير وأصاب الدبابة، ما أدى إلى مقتل الجندي في المكان وإصابة أربعة آخرين".
هذا المشهد تكرر عشرات المرات خلال الأيام العشرة، حيث كانت صواريخ المقاومة الموجهة تطال دبابات الميركافا رغم أنظمة الحماية المتطورة التي تمتلكها. وفي اعتراف لافت، قالت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية: "عناصر حزب الله يطلقون الصواريخ على قوات الجيش الإسرائيلي جنوب لبنان، ويستفيدون من الأراضي الوعرة والطبيعة الجغرافية ثم ينسحبون بسرعة لنقطة إطلاق أخرى".
التدمير المنهجي للدبابات
اللافت في ردود فعل العدو ليس فقط الاعتراف بوقوع خسائر، بل الإقرار بأن هذه الخسائر جاءت نتيجة تخطيط منهجي وإدارة نيران متقدمة من قبل المقاومة في لبنان، ففي تفاصيل الكمين الذي نفذته المقاومة في محور الطيبة – القنطرة، والذي أسفر عن تدمير 10 دبابات وجرافتين للعدو، تحدث موقع "والاه" العبري عن أن "مجموعة مضادة للدروع تابعة لحزب الله تجاوزت خط الدفاع الأمامي للجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان وأطلقت صواريخها على مسكاف عام، ما أدى إلى مقتل أحد الجرحى المستوطنين وإصابة آخرين".
هذا الاعتراف يكشف عن قدرة المقاومة على العمل خلف خطوط العدو، والتسلل إلى مناطق يعتبرها العدو الإسرائيلي آمنة، ما يضع القيادة العسكرية الإسرائيلية أمام معضلة جديدة: كيف يمكن تأمين خطوط الدفاع الأمامية إذا كانت خلايا المقاومة قادرة على تجاوزها والضرب في العمق؟
أزمة "الجبهة الداخلية" للعدو – المستوطنات تتحول إلى مدن أشباح
النزوح الجماعي غير المسبوق
إذا كانت الخسائر العسكرية توجع قيادة العدو، فإن أزمة "الجبهة الداخلية" تهدد وجود الكيان الصهيوني ذاته، ففي مشاهد لم يشهدها الكيان الإسرائيلي منذ حرب الاستنزاف الأولى، تحولت المستوطنات في شمال فلسطين المحتلة إلى مدن أشباح، حيث غادرها الآلاف من الصهاينة هرباً من قصف حزب الله المتواصل.
في تقرير نشرته قناة "i24 News" العبرية، وصفت الحالة في شمال فلسطين المحتلة بأنها "هجرة صامتة نحو فنادق في الجنوب والبحر الميت". وأضافت القناة أن "كريات شمونة تحولت إلى مدينة أشباح، إذ غادر نحو 20 ألف مستوطن منذ بداية الحرب، وبقي اليوم في المدينة ما لا يتجاوز 5 آلاف نسمة بعد تجدد التصعيد الأخير". هذا الرقم مذهل: كريات شمونة، التي كانت تضم أكثر من 20 ألف مستوطن، أصبحت اليوم لا تضم سوى ربع عددهم. وما يحدث في كريات شمونة يتكرر في شلومي، والمطلة، والمنارة، وشتولا، وغيرها من مستوطنات خط المواجهة، حيث تراوحت نسب العودة بين 14% و25% فقط، وفقاً لتقرير نشرته صحيفة "كالكاليست" العبرية.
صرخات رؤساء المستوطنات
لم تعد هذه الأزمة مجرد أرقام، بل تحولت إلى صراخ علني من رؤساء المستوطنات الذين شعروا أن "حكومتهم" تخلت عنهم، في مشهد مؤثر بثته القناة 12 العبرية، بكى رئيس مستوطنة "مرغليوت"، "إيتان دافيدي"، على الهواء وهو يوجه اتهاماً لاذعاً لـ"حكومة" العدو: "كم جولة، نحن نقاتل من أجل البلاد، لكن لا توجد دولة تساندنا، لقد دمرتم كريات شمونة، دمرتم مستوطنات السياج، دمرتم كل شيء، دمرتم كل شيء بالفعل، ماذا تفعلون؟ ماذا تفعلون؟ إما أن تقولوا إنكم غير قادرين على التعامل مع هذا الحدث وتتركونا، أو أن تفعلوا اللازم الآن".
أما "رئيس بلدية" كريات شمونة، "أفيخاي شتيرن"، فكان أكثر حدة في انتقاداته، حيث قال في تصريح نقلته القناة 12 العبرية: "لا يرسل جندي إلى المعركة من دون سترة واقية، أليس كذلك؟ فلماذا تضعون المواطن في الجبهة بلا حماية؟ هذا هو الحد الأدنى، برأيي، الذي يجب أن تقدمه "الحكومة": أن توفر لنا الأمان، لقد فشلتم". وفي تصريح آخر، وصف "شتيرن" القرار بعدم إخلاء المستوطنين بأنه "حكم بالإعدام"، مطالباً بإخلاء كل من لا يستطيع الاحتماء في الوقت المناسب فوراً.
أزمة الملاجئ والتمييز العنصري
ولم تقتصر الأزمة في الكيان الإسرائيلي على نقص الحماية العسكرية، بل امتدت إلى البنية التحتية للمستوطنين الصهاينة، حيث كشفت وسائل الإعلام العبرية عن نقص فادح في الملاجئ العامة في شمال فلسطين المحتلة، ففي تقرير نشرته القناة 12 العبرية نقلت عن رئيس "بلدية سخنين" قوله مازحاً: "أفضل أن أُصاب على أن أحتمي في هذا الملجأ"، مضيفاً: "هذه الملاجئ الصغيرة يمكن أن تتسع لعددٍ قليلٍ من الأشخاص لبضع دقائق، لكنها تبدو أشبه بفخ. من الواضح أن هذا ليس حلًا لضمان سلامة ساكني البلدة".
هذه المشكلة، التي تعكس التمييز العنصري في توزيع الخدمات داخل الكيان الإسرائيلي، كانت مطروحة قبل الحرب، وفقاً لتقرير صادر عن "ديوان المحاسبة" التابع للعدو عام 2025، الذي أشار إلى أن 33% من الصهاينة يعانون من عدم توفر مكان آمن أو مأوى مناسب لهم.
أزمة الثقة – الفجوة بين الوعود والواقع
انهيار المصداقية
ربما كانت أخطر تداعيات العمليات العسكرية للمقاومة الإسلامية في لبنان هي الأزمة التي ضربت الثقة بين المستوطن الصهيوني والمؤسسات العسكرية والسياسية في الكيان، فبعد أن وعدت قيادة العدو الإسرائيلي بأن حزب الله "دُفع إلى ما وراء الليطاني" و"فقد قدراته"، ها هي الصواريخ والمسيرات تعود لتضرب العمق الإسرائيلي، ما خلق فجوة هائلة بين الوعود والواقع.
في تقرير نشرته القناة 12 العبرية تحدث المحلل العسكري الإسرائيلي "يارون أبراهام" عن هذه الفجوة قائلاً: "لقد انكشفت الفجوة بين الوعود والواقع. فبعد الجولة السابقة ووقف إطلاق النار في نوفمبر 2024، ساد شعور بأن المعادلة قد تغيرت هذه المرة، وأن القدرات قد تراجعت، وأن التهديد قد انخفض بشكل كبير. لكن في الواقع، يتضح الآن مدى عدم دقة هذا الادعاء. فحزب الله لم يُقضَ عليه، بل حافظ على قدرات عالية جدًا، وإمدادات وفيرة، وبنية تحتية متطورة، والقدرة على اختيار توقيت التصعيد".
هذه الفجوة لم تقتصر على التقديرات العسكرية للعدو، بل امتدت إلى الأداء اليومي، حيث تحدث مستوطنون صهاينة في كريات شمونة عن أن "صفارات الإنذار تدوي فقط بعد سقوط الصاروخ أو انفجار الطائرة المسيّرة، ما يجعل البقاء في هذه المناطق محفوفاً بالمخاطر". هذا يعني أن نظام الإنذار المبكر، الذي كان يفخر به العدو الإسرائيلي، لم يعد قادراً على توفير الحماية للصهاينة.
استطلاعات الرأي تكشف الحقيقة
الأرقام تؤكد ما تقوله الكلمات، فوفقاً لاستطلاع أجرته صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية، أظهر بحث "مؤشر صمود الجبهة الداخلية" أن ليلة 11 مارس (التي أطلق فيها حزب الله نحو 200 صاروخ) أدت إلى انخفاض بنسبة 15% في صمود المستوطنين في الجليل والكريوت. وأشار البحث -الذي أجري على أكثر من 1355 إسرائيلياً- إلى أن "الفجوة بين نفي الجيش والواقع المتمثل في وابل الصواريخ سحقت ثقة الجمهور".
أما في المستوطنات الحدودية مع لبنان، فكان الوضع أسوأ بكثير، حيث هبط مؤشر الاستقرار إلى 3.86، وهو أقل بكثير من عتبة 4.0 التي تعتبر الحد الأدنى للاستقرار "المجتمعي".
"حكومة" العدو تعترف بالعجز
في ظل هذا الواقع، لم تجد "حكومة" العدو الإسرائيلي مفراً من الاعتراف بالعجز، وإن بشكل غير مباشر، ففي تقرير نشرته صحيفة "هآرتس" العبرية، أقرّ "جيش" العدو الإسرائيلي بأن "الإجراءات الأمنية المتخذة ضد حزب الله منذ وقف إطلاق النار لم تكن مواكبةً لسرعة تعافيه". وأضافت الصحيفة أن "مسؤولين سياسيين كباراً فوجئوا الأسبوع الماضي بقدرات حزب الله"، وهذا الاعتراف بالعجز تأكد عندما نقلت وسائل الإعلام العبرية عن "رئيس الوزراء " في الكيان الإسرائيلي المجرم بنيامين نتنياهو قوله لرؤساء مستوطنات شمال فلسطين المحتلة (عبر تطبيق زووم، وليس حضورياً) إنه "يطلب منهم أن يفعلوا كل ما يمكن لمنع مغادرة المستوطنات الشمالية". لكن هذا الطلب جاء متأخراً، فالأرقام تتحدث عن نفسها: آلاف الصهاينة غادروا ولن يعودوا قريباً.
أزمة الصحة النفسية – جيل ينهار تحت وطأة الحرب
ارتفاع مقلق في حالات اكتئاب الصهاينة
من بين الأزمات التي كشفت عنها ردود فعل العدو، كانت أزمة الصحة النفسية الأكثر عمقاً وتأثيراً على المدى البعيد، ففي تقرير نشره موقع "كالكاليست" الاقتصادي عن تقرير "بنك إسرائيل" لعام 2025، تبين أن الحرب أدت إلى ارتفاع بنسبة 40% في الإبلاغ عن الاكتئاب، فيما يعاني "النظام الصحي" الإسرائيلي من نقص حاد في المعالجين النفسيين.
التقرير أشار إلى أن 38% من الإسرائيليين المحتاجين للعلاج لم يتوجهوا إليه بسبب طول قوائم الانتظار، التي بلغت نحو 6.5 أشهر في "القطاع العام"، ومن بين الذين توجهوا للعلاج 42% قصدوا معالجاً خاصاً، بينما تلقى 38% فقط العلاج عبر صناديق المرضى، ما يعني أن شريحة واسعة من الإسرائيليين حرموا من الرعاية النفسية اللازمة.
انعكاسات على الصهاينة
هذه الأزمة النفسية التي يعاني منها "جيش" العدو لم تبق في حدود العيادات، بل انعكست على الكيان الإسرائيلي بشكل عام، ففي تقرير نشرته القناة 12 العبرية تحدثت عن أن "الروتين في شمال فلسطين المحتلة مستمر، مع نحو مئة صاروخ يومياً يطلقها حزب الله تجاه مستوطنات الشمال"، ما يعني أن الصهاينة في شمال فلسطين المحتلة يعيشون في حالة قلق دائم، لا يعرفون متى ستسقط الصواريخ، ولا متى ستنتهي هذه المعاناة.
هذا الواقع دفع عضوة "الكنيست" الإسرائيلي، "كارين الهرار" إلى إرسال طلب إلى "حكومة" العدو الإسرائيلي لتنفيذ قرارها رقم 978، الذي ينصّ على إجلاء الفئات الهشة التي لا يتوفر لديها وسائل حماية مناسبة، وإجلاء الصهاينة في شمال فلسطين المحتلة من كبار السن وذوي الإعاقة.
الكيان الإسرائيلي بين حلم النصر وكابوس الاستنزاف
في العشرة الأيام وما سبقها من العمليات العسكرية التي نفذتها المقاومة الإسلامية في لبنان دفاعاً عن لبنان وشعبه، يقف الكيان الإسرائيلي أمام واقع جديد لم يكن يتوقعه، فالاعترافات التي تدفقت من وسائل الإعلام العبرية والمسؤولين الصهاينة من العسكريين والسياسيين ترسم صورة كئيبة لكيان يعاني من أزمات مترابطة:
أزمة بشرية تهدد بانهيار "الجيش"، وأزمة دفاع جوي تكشف عجز "القبة الحديدية"، وأزمة مدرعات تجعل دبابات الميركافا هدفاً سهلاً، وأزمة داخلية تحول مستوطنات شمال فلسطين المحتلة إلى مدن أشباح، وأزمة ثقة تسحق المصداقية بين الصهيوني والمؤسسات في الكيان ، وأزمة نفسية تعصف بكل الصهاينة من الداخل.
في مقابل ذلك، تقف المقاومة الإسلامية التي أثبتت أنها لم تُهزم، بل حافظت على قدراتها، وأعادت بناء منظوماتها، واختارت التوقيت المناسب للرد على العدوان، وكما قال مراسل القناة 12 العبرية في شمال فلسطين المحتلة، "غاي فارون": "حزب الله لن يُهزم في هذه الحرب مهما طالت، ولن يُنزع سلاحه في ختام هذه الحملة".
هذه الاعترافات، التي تخرج من أفواه قادة العدو والإعلاميين الإسرائيليين أنفسهم، تشكل الدليل الأقوى على أن المعركة التي بدأت برد المقاومة على العدوان، قد تحولت إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، يدفع فيها العدو ثمناً باهظاً على كل جبهة، بينما تثبت المقاومة يوماً بعد يوم أنها قادرة على الصمود والضرب والردع.
"وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ".










