العميد الدكتور ناجي الرويشان.. حين يمتزج نور العلم بطهر الشهادة

العميد الدكتور ناجي الرويشان.. حين يمتزج نور العلم بطهر الشهادة

بقلم / علي ناجي الرويشان 

في سجلات الخالدين، ثمة أسماء لا تعبرها الأيام إلا لتزيدها بريقاً،

ورجالٌ لم تكن حياتهم مجرد أرقام، بل كانت مواقفاً صُبّت في قالب من الإيمان والعطاء.

ومن هؤلاء العظماء، يبرز اسم الشهيد العميد الركن دكتور/ ناجي بن عبدالله بن محمد الرويشان، الذي جمع في مسيرة حياته بين صرامة القائد، وعقل الأكاديمي، وروحيّة المؤمن الصادق.

نشأةٌ في أحضان الطيال وعصاميةٌ في طلب العلم

من قلب "خولان الطيال" الأبية، وتحديداً في "بيت الرويشان"، كانت البداية عام 1967م. ترعرع الشهيد في بيئة يمنية أصيلة، غرسـت فيه قيم الأنفة والشجاعة. لم يكتفِ بالنشأة الأولى، بل شد الرحال نحو العاصمة صنعاء، متسلحاً بطموح لا يحده سقف، فكان مثالاً للعصامية؛ تدرج في السلك العسكري حتى تخرج من كلية الشرطة (الدفعة 21) عام 1987م، لكن شغفه بالعلم لم يتوقف عند الرتب العسكرية.

واصل الشهيد نهمه المعرفي، محصلاً الليسانس في الشريعة والقانون، ثم الماجستير بتقدير امتياز، وصولاً إلى نيل درجة الدكتوراه في علوم الشرطة من أكاديمية الشرطة المصرية عام 2013م. لقد كان يؤمن أن الأمن ليس مجرد قوة، بل هو علم وفكر وقانون.

سيرة مهنية عنوانها "الإخلاص والنزاهة"

خلال مسيرته العملية، تنقل الشهيد بين مناصب قيادية حساسة، من رئاسة قسم شرطة الجراف إلى إدارة البحث الجنائي في حضرموت، وميناء المكلا. في كل محطة، كان يترك أثراً لا يُمحى؛ رجل أمنٍ يحمي الناس بقلبه قبل سلاحه، وقائداً يجسد معنى "الشرطة في خدمة الشعب" بصدق وتفانٍ، بعيداً عن الغطرسة، قريباً من وجع البسطاء.

المحراب.. محطة الوصول الأخيرة

لم تكن حياة الشهيد ناجي الرويشان إلا تمهيداً لختامٍ اختاره الله له بعناية. ففي يوم الجمعة، الموافق 20 مارس 2015م، وبينما كان يؤدي صلاة الجمعة في جامع الحشحوش، امتدت أيادي الغدر والإرهاب لتغتال تلك الروح الطاهرة.

سقط العميد الدكتور شهيداً وهو في أقدس حالات القرب؛ راكعاً ساجداً لله. كانت تلك اللحظة هي البرهان العملي على قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾. رحل وهو يحمل في قلبه حب الوطن، وفي جبينه أثر السجود، وفي تاريخه سيرة عطرة لا تشوبها شائبة.

عهد الأبناء.. المضي على درب الشرف

إن رحيل العميد الرويشان لم يكن غياباً، بل هو ولادة جديدة في قلوب محبيه وأبنائه. إننا اليوم، ونحن نستذكر هذا الطود العظيم، نعاهد الله ونعاهده أن نظل أوفياء لتلك القيم التي عاش واستشهد من أجلها.

لقد كان والداً باراً، ومعلماً حكيماً، وقائداً شجاعاً. لم يورث لنا جاهاً زائلاً، بل ورث لنا اسماً نناطح به السحاب فخراً، ومنهجاً في الحق والثبات لا ينكسر. سيبقى "أبو الشهامة" رمزاً نستضيء به في عتمة الدروب، وقصة تُروى للأجيال عن رجلٍ عاش كريماً، ومات عزيزاً، ولقي ربه صادقاً.

نم قرير العين يا والدي.. فدمك الطاهر صار منارة، وذكراك صارت وطناً.