في مطلع الألفية الثالثة، وبينما كان العالم يرزح تحت وطأة أحادية قطبية شرسة أعقبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، خيّم على المنطقة العربية والإسلامية صمت مطبق. كان المشروع الأمريكي يتمدد تحت عناوين "مكافحة الإرهاب"، مستهدفاً الهوية والثقافة والجغرافيا. وفي تلك اللحظة التاريخية الفارقة، ومن أقاصي جبال مران في اليمن، انطلقت صرخة كسرت حاجز الخوف، لتؤسس لمشروع عالمي تجاوز حدود الجغرافيا السياسية، معيداً صياغة مفهوم "الموقف" في مواجهة الهيمنة.
السياق التاريخي والمنطلقات القرآنية
انطلق المشروع القرآني في السابع عشر من يناير عام 2002م، وهو التاريخ الذي دوّى فيه شعار "الله أكبر، الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام". لم تكن هذه الكلمات مجرد عبارات حماسية، بل كانت إعلاناً عن استراتيجية دفاعية وهجومية شاملة.
ويرى المراقبون أن توقيت إطلاق الشعار في آخر جمعة من شهر شوال عكس وعياً عميقاً بضرورة التحرك قبل استكمال المشروع الأمريكي لأدواته في السيطرة على المنطقة. لقد جاء الشعار ليكون "هتاف الحرية والبراءة"، واللبنة الأولى في بناء جدار الحماية الثقافية للأمة.
القيادة والمشروع: رؤية السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي
قبل الخوض في تفاصيل النتائج، يضعنا السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي أمام تشخيص دقيق للواقع الذي استوجب إطلاق هذه الصرخة، حيث لا يرى التحرك الأمريكي مجرد أحداث عابرة، بل مخططاً تراكمياً يستوجب رداً استراتيجياً موازياً.
يقول السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي -حفظه الله-: "أمام هذا الواقع الخطر جداً الذي تعيشه الأمة، والذي يؤذن بمرحلة متقدمة، وليست أول طريقة بالنسبة للأمريكيين، وليست أول الخطوات بالنسبة لأمريكا وإسرائيل ومن يدور في فلكهم، بل هي حلقة من حلقات، خطوة من خطوات، مرحلة من مراحل. في هذا الواقع وتزامناً مع تلك المرحلة وتلك الظروف، أطلق السيد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه الصرخة في وجه المستكبرين، هتاف الحرية والبراءة".
لقد ركز هذا المشروع -كما يوضح السيد القائد- على استنهاض الأمة من خلال:
العودة للقرآن الكريم: كمرجعية أساسية للتثقف والاهتداء.
المقاطعة الاقتصادية: إدراكاً بأن عماد القوة الأمريكية هو الاقتصاد.
نشر الوعي: لمواجهة الهجمة الشرسة والشاملة في كافة المجالات.
النتيجة الأولى: النقلة النفسية والتحول من اللاموقف إلى الموقف
كانت المعضلة الكبرى في الأمة هي "العجز النفسي". لذا تميز الشعار بكونه "بداية ممكنة ومتاحة". لم يطالب السيد حسين الناس بما لا يطيقون في البداية، بل دعاهم إلى "القول" كمدخل لـ "الفعل".
حققت هذه الخطوة نقلة نفسية ومعنوية هائلة، حيث تحول الفرد من حالة "الاستسلام" إلى حالة "المسؤولية". الهاتف بالصرخة يشعر فوراً بانفصاله عن مشاريع الهيمنة واتصاله بمشروع العزة والكرامة. هذا الارتقاء الإيماني عزز الثقة بالله، وحوّل الاستضعاف إلى قوة معنوية تجسدت في الصمود الأسطوري أمام التحديات.
النتيجة الثانية: تحطيم جدار الصمت ومواجهة التضليل
لطالما راهنت القوى الاستكبارية على "صمت الشعوب". الصمت في الثقافة القرآنية يعني تقديم الأمة فريسة سهلة دون تكلفة. لقد جاءت الصرخة لتملأ الفراغ وتمنع "الاستقطاب" الذي كان يمارسه الأعداء لتجنيد أبناء الأمة لخدمة مشاريعهم.
كان تحطيم جدار الصمت يعني أيضاً إيجاد "حصانة فكرية". فالشعوب الصامتة هي ساحات مفتوحة للتضليل والإغواء، بينما الشعوب التي تهتف بالبراءة هي شعوب عصية على الاختراق الثقافي. الصرخة أخرجت الاستياء المكبوت في الصدور إلى العلن، وحولته إلى موقف سياسي وواقعي ملموس.
فلسفة العمل في فكر شهيد القرآن السيد حسين بدر الدين الحوثي
في ذروة التخبط العربي، حينما كان السؤال السائد هو "ماذا نعمل؟"، قدم السيد حسين بدر الدين الحوثي جواباً عملياً بسيطاً في ظاهره، وعميقاً في أثره. لم تكن الصرخة مجرد كلام، بل كانت "سلاحاً" و"موقفاً" يحدد خارطة الأعداء والأصدقاء.
يستهل السيد حسين بدر الدين الحوثي (رضوان الله عليه) كلامه في محاضرة "الصرخة في وجه المستكبرين" بتساؤل استنهاضي:
"نعود من جديد أمام هذه الأحداث لنقول: هل نحن مستعدون ألَّا نعمل شيئًا؟ ثم إذا قلنا نحن مستعدون أن نعمل شيئًا فما هو الجواب على من يقول: 'ماذا نعمل؟'، أقول لكم أيها الإخوة: اصـرخوا، ألستم تملكون صـرخة أن تنادوا: الله أكبر / الموت لأمريكا / الموت لإسرائيل / اللعنة على اليهود / النصر للإسلام؟ هذه الصـرخة أليس كل واحد بإمكانه أن يعملها وأن يقولها؟ إنها من وجهة نظر الأمريكيين -اليهود والنصارى- تشكل خطورة بالغة عليهم".
ويشرح الشهيد القائد أن "المنافقين" هم المرآة التي تعكس فاعلية هذا العمل؛ فغضبهم وخوفهم من ترديد الشعار هو الدليل الأكبر على أن الكلمات وصلت إلى قلب المشروع المعادي وأزعجته.
النتيجة الثالثة: صناعة السخط الواعي كدرع وقائي
من أخطر ما تواجهه شعوب أمتنا هو "تطبيع" وجود العدو في وجدانها، وهنا تكمن أهمية "السخط"، السخط ليس مجرد عاطفة غاضبة، بل هو حالة ذهنية تمنع القبول بالهيمنة.
اليهود وقوى الاستكبار ينفقون المليارات عبر القوى الناعمة والمنظمات والمشاريع الشكلية لـ"غسل صورة العدو"، ومسح السخط من القلوب. إنهم يريدون أن يظهروا كبناة ومحسنين، بينما يمارسون أبشع أنواع القمع والاحتلال. الشعار يفسد هذه المليارات، ويبقي العداء للعدو حياً ومتقداً، ما يجعل الأمة عصية على الاحتواء.
في قراءته العميقة لنتائج الشعار، يؤكد السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي أن هذا الهتاف هو الذي يحمي الأمة من "حالة الرضا" الخطيرة التي تمهد للاحتلال والتبعية.
"إذاً، الشعار هو يعبر عن حالة سخط يجب أن تسود الأمة، لا ينبغي أبدًا أن يحل محل هذا السخط حالة رضا، لأن حالة الرضا تلك هي التي ستمهد لأن تقبل الأمة بهيمنة أولئك وباحتلالهم للبلدان وسيطرتهم على المقدرات... حالة السخط يجب أن تكون حالة قائمة في واقع الأمة، هي تهيئ الأمة لتبنّي المواقف اللازمة، وهي تحصن الأمة، تجعلها متنبهة، مدركة، ترقُب الوضع، ترصد الأحداث، تتنبه لطبيعة المؤامرات".
هذا السخط هو المحرك لكل المواقف العملية اللاحقة، من التصدي العسكري إلى البناء الاقتصادي، وهو الضمانة لعدم اختراق الأمة من الداخل.
الأثر الميداني: من الكلمة إلى السيادة
لقد تجاوز أثر الشعار الجانب المعنوي ليتحول إلى واقع سياسي وعسكري:
فشل مشاريع الوصاية: بفضل الوعي الذي ولده الشعار، فشلت محاولات إخضاع اليمن للإرادة الأمريكية المباشرة.
بناء القوة الذاتية: عندما هتف اليمنيون "الموت لأمريكا"، كان عليهم أن يبحثوا عن سبل الاعتماد على الذات في التصنيع والغذاء، وهو ما نراه اليوم من تطور صناعي وعسكري مبهر.
التضامن العابر للحدود: تحول الشعار إلى رمز لكل الأحرار في العالم، معززاً "وحدة الساحات" في مواجهة الكيان الصهيوني.
خاتمة: الصرخة كمستقبل للأمة
إن المتأمل في مسيرة الشعار منذ عام 2002م وحتى اليوم، يدرك أن تلك الجُمل الخمس كانت بمثابة "مفتاح" لاستعادة الذات العربية والإسلامية. لقد أثبتت الأيام أن الرهان على القرآن وعلى وعي الشعوب هو الرهان الرابح. الصرخة اليوم ليست مجرد ذكرى سنوية، بل هي استراتيجية عمل مستمرة، وبوصلة توجه الأمة نحو فجر النصر والتمكين، بعيداً عن أغلال الاستكبار العالمي.










