شهيد القرآن واستشراف مبكر لمسارات المؤامرات الصهيوأمريكية

شهيد القرآن واستشراف مبكر لمسارات المؤامرات الصهيوأمريكية

قراءة في محاضرة [الصرخة في وجه المستكبرين]

 

في لحظة تاريخية فارقة أعقبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وفي وقت كانت فيه الأمة الإسلامية تعيش حالة من الذهول والارتباك أمام التحشيد الأمريكي تحت شعار "مكافحة الإرهاب"، ألقى السيد حسين بدر الدين الحوثي -في 17 يناير 2002م- محاضرة [الصرخة في وجه المستكبرين]، قدم فيها رؤية تحليلية استراتيجية تجاوزت السياق الزماني والمكاني، وقدم أيضا تشخيصاً دقيقاً لطبيعة الصراع العالمي، معتبرا أن الإسلام والمسلمين هم الهدف الحقيقي وراء التحركات الغربية بقيادة أمريكا و"إسرائيل"، كما حذر السيد حسين من حالة "التدجين" الشاملة التي تمارسها الأنظمة وعلماء السوء، والتي تهدف إلى تجريد الأمة من هويتها الجهادية وتحويلها إلى مجرد أرقام تابعة للمنظومة الصهيونية. إن ما يميز هذه المحاضرة هو استشرافها المبكر لاستهداف محور المقاومة، واحتلال المقدسات، وتوظيف المصطلحات السياسية لتمزيق النسيج الاجتماعي للأمة، وهو ما أثبتت الأحداث اللاحقة طوال عقدين من الزمن دقة تشخيصه وواقعية نتائجه.

استراتيجية "مكافحة الإرهاب" كغطاء لتفكيك الأمة وتجريم الجهاد في سبيل الله

تناول السيد حسين موضوع إعادة تعريف "الإرهاب" من قبل القوى الاستعمارية لتجريم العقيدة الإسلامية، حيث يقول: ((هذا شيء مؤكد، أنه بعد أن سلّم الجميع لأمريكا، أن تكون هي من يقود التحالف العالمي -والذي من ضمنه الدول العربية- لمكافحة الإرهاب. والإرهاب ما هو، من وجهة نظر أمريكا ما هو الإرهاب؟ في رأس قائمة الإرهاب هو ذلك الجهاد الذي تكررت آياته على صفحات القرآن الكريم، هذا هو الإرهاب رقم واحد، من وجهة نظرهم، وهذا هو ما وقّع عليه زعماء العرب، ما وقع زعماء المسلمين على طمسه!)).

 

هنا نجد أن السيد حسين أدرك مبكراً أن مصطلح "الإرهاب" سيتحول إلى "حصان طروادة" لاختراق السيادة الوطنية للدول الإسلامية، الشواهد المعاصرة تؤكد ذلك بوضوح؛ فمنذ عام 2002، شرعت الولايات المتحدة في فرض "قوانين مكافحة الإرهاب" التي استهدفت بالدرجة الأولى حركات المقاومة المشروعة، في عام 2003، تم غزو العراق تحت ذريعة مكافحة الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل، وهو ما أدى إلى تفكيك الدولة وتحويلها إلى ساحة صراع استنزفت قدرات الأمة. تصريحات المسؤولين الأمريكيين، مثل جورج بوش الابن، رفع من خلالها شعار "الحروب الصليبية" ثم تراجع عنه لفظياً وطبقه فعلياً، كما نشهد اليوم توظيف البعد الديني للحروب الإجرامية التي تشنها أمريكا على المنطقة على أنها حرب ممهدة لظهور ما يسمونه (المسيح)، وهو ما عبر عنه الرئيس الأمريكي الحالي "ترامب" ووزير حربه. كما يقوم الصهاينة بتغليف مجازر الإبادة في غزة ولبنان واليمن وإيران بغلاف "ديني" توراتي بالقول إن الدول العربية من فلسطين ولبنان وسيناء والأردن وجزء من السعودية وصولا للمدينة المنورة وأجزاء تضم سوريا والعراق والكويت بأنها أرض الميعاد، و"إسرائيل الكبرى"، وهو ما يثبت أن المستهدف كان البنية العقائدية للإسلام. والواقع اليوم يشهد تصنيف حركات المقاومة في فلسطين (حماس والجهاد الإسلامي) ولبنان (حزب الله) واليمن (أنصار الله) كـ"منظمات إرهابية"، بينما يُغض الطرف عن الجرائم الصهيونية، وهو التطبيق الحرفي لما حذر منه السيد من أن الجهاد هو "الإرهاب" رقم واحد في القاموس الأمريكي. كما أن الضغوط الأمريكية لتغيير المناهج الدراسية في الدول العربية وحذف الآيات القرآنية التي تتحدث عن اليهود والجهاد، والتي بدأت فعلياً في دول كالسعودية ومصر والإمارات، هي الترجمة العملية لما وُصف في المحاضرة بـ"توقيع زعماء العرب على طمسه".

استهداف المقدسات والحرمين، وابتزاز الدول الحليفة لأمريكا

تناول السيد حسين موضوع المطامع الصهيونية الأمريكية في السيطرة على الحرمين الشريفين ورمزية الحج، وكشف زيف الرهان على "الصداقة" مع واشنطن، حيث يقول: ((وإذا ما ضُرِبَت السعودية تحت مسمى أنها دولة تدعم الإرهاب، والسعوديون أنفسهم نستطيع أن نقطع بأنهم لم يعملوا ضد أمريكا أي شيء، لكنهم يواجَهون بحملة شعواء، ويواجهون بحملات دعائية ضدهم في الغرب، تَصِمُهُم بأنهم دولة تدعم الإرهاب. السعوديون أنفسهم لم يفهموا ما هذا؟! استغربوا جداً "لماذا هذه الضجة ضدنا، ونحن أصدقاء، نحن أصدقاء معكم أيها الأمريكيون، ما هذه الضجة ضدنا؟" كل ذلك يدل أن بالإمكان -فعلاً- أن تضرب السعودية للاستيلاء على الحرمين)).

 

تعد هذه الرؤية الاستراتيجية قراءة مبكرة ومذهلة لمآلات العلاقة "السعودية-الأمريكية"؛ ففي عام 2002م كان النظام السعودي يعتقد أن تقديم التنازلات والانخراط في ما سُمِّي "التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب" سيوفر له الحماية المطلقة. إلا أن الشواهد المعاصرة أثبتت أن أمريكا لا تقيم وزناً للحلفاء، بل تستخدمهم كأدوات استهلاكية، وهو ما تجلى في ذروة الابتزاز السياسي والمالي الذي تمارسه الإدارة الأمريكية، تارة باسم الحماية وتارة باسم صفقات أسلحة، وبلغ الابتزاز ذروته في عهد الرئيس الأمريكي الحالي "دونالد ترامب". لقد اعتمد ترامب لغة "الجباية" الصريحة، مخاطباً الرياض بضرورة دفع "ثمن الحماية"، ومستخدماً فزاعة الإرهاب تارة، وفزاعة التخلي العسكري تارة أخرى. وهو تطبيق حرفي لما حذر منه السيد حسين من أن أمريكا ستضرب حلفاءها تحت عناوين "الإرهاب" متى ما اقتضت مصلحتها ذلك.

 

إن قانون "جاستا" (JASTA) الذي أقره الكونجرس الأمريكي في 2016م، مَثّل "الأداة القانونية" لهذا الابتزاز؛ إذ سمح بمقاضاة السعودية بتهمة التورط في أحداث سبتمبر 2001م، ما جعل أرصدتها وسيادتها تحت رحمة القضاء الأمريكي. هذا المسار الذي بدأ بـ"حملات دعائية" كما وصفها السيد حسين عام 2002، انتهى بفرض واقع جديد يجعل الحليف في حالة استنفار دائم لإثبات براءته عبر دفع المليارات.

 

علاوة على ذلك، أثبتت الأحداث أن "مظلة الحماية الأمريكية" هي وهمٌ يتبخر عند أول اختبار حقيقي للمصالح العربية؛ ففي ذروة العدوان على إيران، وتحديداً بعد قصف إيران للقواعد الأمريكية في السعودية وبقية دول الخليج، تخلت واشنطن عن حلفائها الخليجيين، وفي المقابل نجد أن الإدارة الأمريكية، وبكل ثقلها العسكري والاستخباري، وظفت كافة جهودها وجهود حلفائها في المنطقة لدعم عملية التصدي للصواريخ والمسيرات الإيرانية التي استهدفت الصهاينة في الأراضي الفلسطينية المحتلة. هذا التباين الصارخ يكشف أن "السيادة الأمريكية" مكرسة حصراً لحماية الكيان الصهيوني، بينما يُترك الحلفاء العرب لمواجهة مصيرهم بعد استنزاف ثرواتهم، وهو ما يؤكد رؤية السيد حسين بأن "أمريكا هي إسرائيل"، وأن اليهود هم من يحركون القرار الأمريكي لتفتيت المنطقة. وفي سياق متصل، نجد أن التحذير من استهداف الحج والمقدسات قد اتخذ أشكالاً أكثر دهاءً؛ فالدعوات الغربية لـ"تدويل الحرمين" أو ربط أمن المشاعر بمعايير "الأمن الدولي" ليست سوى مقدمات لنزع السيادة الإسلامية عنها. يترافق ذلك مع مشروع "نزع القداسة" الذي يتم تمريره اليوم عبر بوابة "السياحة والترفيه"، حيث تزايدت التقارير عن تغلغل النفوذ الثقافي الغربي وحتى الصهيوني في شبه الجزيرة العربية، وتغيير الطابع الديني للمناطق المجاورة للمقدسات عبر مواسم الترفيه التي تقام فيها حفلات للرقص والتعري على بعد أميال من مكة المكرمة. لقد نبه السيد حسين إلى أن "اليهود يصيحون من الحج" لأنهم يدركون خطورة تجمع المسلمين بروحية إيمانية واحدة؛ ولذلك نرى اليوم تحويل الحج إلى مجرد طقس سياحي تحت رقابة أمنية مشددة تمنع أي مظهر من مظاهر "البراءة من أعداء الأمة"، وهو ما يفرغ هذه الفريضة العظيمة من مضمونها الجهادي والسياسي الذي أكد عليه القرآن الكريم، ويجعل المقدسات عرضة للاحتلال الفعلي أو الثقافي الذي مهدت له سياسات التدجين والتبعية .

التدجين الديني والسياسي.. دور الأنظمة وعلماء السوء في تمرير الهيمنة

ركز السيد حسين على خطورة "التدجين" الذي تمارسه مؤسسات دينية وسياسية لتهيئة الأمة للقبول بالعدو، حيث يقول: ((انظروا، دَجَّنْتُمونا لأولئك فدجنونا لليهود، وكما كنتم تقولون لنا أن نسكت، أسكتوا، لا ترفعوا كلمة ضد هذا الخليفة أو هذا الرئيس، أو ذلك الملك أو هذا الزعيم. هم اليوم يقولون لنا: اسكتوا لا تتحدثوا ضد أمريكا وضد إسرائيل! فما الذي حصل؟ ألم يقدم علماء السوء القرآن الكريم والإسلام كوسيلة لخدمة اليهود والنصارى في الأخير؟)) .

 

يقدم السيد حسين (رضوان الله عليه) هنا تشريحاً دقيقا لتوظيف "فقه الطاعة" في خدمة المشاريع الاستعمارية. الشواهد منذ عام 2002 وحتى اليوم تبرهن على ذلك بقوة؛ ففي عام 2020، ومع توقيع "اتفاقيات أبراهام" للتطبيع بين دول عربية والكيان الصهيوني، برز دور "رابطة العالم الإسلامي" وعدد من كبار "العلماء" الرسميين في تقديم مسوغات شرعية للتطبيع، بل والترويج لما يسمى بـ"الدين الإبراهيمي"، وقيامهم -بقيادة المدعو محمد العيسى- بزيارة ما يسمى معسكر "أوشفيتز النازي" في بولندا للصلاة على ضحايا اليهود، ويضم المعسكر -حسب الرواية الصهيونية- أضرحة لأسرى يهود تم إعدامهم على يد "النازية". والعيسى هذا كان يشغل وزيرا للعدل في السعودية، وتم ترقيته ليكون رئيسا لـ"منظمة المؤتمر الإسلامي". هذا "الدين الجديد" يهدف حرفياً إلى دمج الأمة الإسلامية في المنظومة الغربية الصهيونية وإلغاء عقيدة الولاء والبراء، وهو ما عناه السيد بـ"تقديم الإسلام كوسيلة لخدمة اليهود والنصارى". كما شهدنا حملات قمعية شنتها الأنظمة ضد كل من يردد "الصرخة" أو ينتقد السياسات الأمريكية، بذريعة "عدم شق عصا الطاعة". أبرز هذه الحملات القمعية ما تعرض له السيد حسين (رضوان الله عليه) وطلابه من عملية عسكرية عدوانية شنها النظام اليمني الأسبق تحت دفع وتحريض من قبل السفارة الأمريكية، وبدعم سعودي خليجي، في حين يُسمح للإعلام الرسمي لترويج الرواية الأمريكية ومهاجمة الثوابت الإسلامية.

 

 وللأسف فالتدجين الذي مورس بحق الشعوب العربية قد أتى أكُله وتم إبادة الشعب الفلسطيني في غزة على مدى عامين دون أي ردة فعل تذكر، بل تحول الإعلام الرسمي العربي إلى "بوق" يبرر جرائم الإبادة الصهيونية في غزة ولبنان، وشيطنة المجاهدين في فلسطين وفي لبنان. بل ذهب النظام السعودي لتقديم رشاوى للأمريكي والصهيوني لتصفية قادة حزب الله وشن الحرب على إيران، وقبل ذلك عملوا على تدمير الدولة السورية وقدموها على طبق من ذهب لكيان الصهيوني، ودمروا اليمن لأن هناك من يصرخ في وجه أمريكا ويلعن "إسرائيل"، والآن يشنون حرباً تضليلية ضد الشعب الإيراني المجاهد، وهذه للأسف هي النتيجة المباشرة لعملية التدجين التي جعلت الأنظمة تتحرك كـ"جنود لأمريكا وإسرائيل".

استراتيجية "التضليل الإعلامي" وخلق الرموز الوهمية لصرف الأنظار

تناول السيد حسين موضوع التضليل الإعلامي الأمريكي في صناعة أعداء وهميين (مثل بن لادن وطالبان) لضرب الأعداء الحقيقيين، حيث يقول: ((قصة أسامة، التمثيلية التي كان بطلها أسامة وطالبان، فلا أسامة ولا طالبان هم المستهدَفون، ولا ذلك الحدث الذي حصل في نيويورك هو الذي حرك أمريكا. من يدري، من يدري أن المخابرات الأمريكية قد تكون هي من دبرت ذلك الحدث؛ لتصنع المبررات، وتهيئ الأجواء لتضرب من يشكلون خطورة حقيقية عليها، وهم الشيعة)).

 

هذا التحليل العميق يشير إلى استراتيجية "إدارة التوحش" وتوظيف الجماعات المتطرفة. الشواهد المعاصرة أثبتت أن تنظيم "القاعدة" ولاحقاً "داعش" تم توظيفهما بشكل استراتيجي لإنهاك محور المقاومة وتدمير البنى التحتية في العراق وسوريا واليمن. فبينما كانت أمريكا تدعي محاربة القاعدة، كانت تستهدف بالدرجة الأولى تقويض نفوذ إيران وحزب الله وإضعاف الجيش العربي السوري. تصريحات هيلاري كلينتون ودونالد ترامب حول دور الإدارة الأمريكية في "صناعة داعش" تُعزز ما قاله السيد حسين مبكرا حول "التمثيليات" الاستخباراتية. كما أن التركيز الإعلامي على أسامة بن لادن كعدو أوحد في 2002، كان يهدف لتنويم بقية المسلمين حتى يتم الانقضاض عليهم واحداً تلو الآخر، وهو ما حدث فعلياً، حيث لم تكتفِ واشنطن بأفغانستان، بل انتقلت لكل المنطقة. لقد تنبأ السيد حسين بأن "الرمز الوهمي" لا يضر أمريكا، بل يمنحها الذريعة للبقاء العسكري الدائم، وهو ما نراه اليوم في التواجد الأمريكي في شرق سوريا والعراق تحت ذريعة محاربة "فلول داعش"، بينما الهدف الحقيقي هو قطع طرق الإمداد لمحور المقاومة.

 

الهيمنة الصهيونية على القرار الأمريكي.. من التغلغل المؤسسي إلى "سلطة نتنياهو" على واشنطن

ركز السيد حسين في رؤيته الاستراتيجية على أن الولايات المتحدة ليست سوى أداة تنفيذية تدار بالكامل من قبل النفوذ اليهودي الصهيوني، حيث يقول: ((ومن هو الذي يقود التحالف العالمي؟ أمريكا. أمريكا هم اليهود، وأمريكا هي إسرائيل، اليهود هم الذين يحركون أمريكا ويحركون إسرائيل، ويحركون بريطانيا ومعظم الدول الكبرى، اليهود هم الذين يحركونها)). ويؤكد في موضع آخر أن التحركات العسكرية الأمريكية ليست إلا انعكاساً للإرادة اليهودية: ((لأن أمريكا هي اليهود، اليهود هم الذين يحركونها، هم يريدون أن يضربوا في الوقت الذي يكون فيه... قد أحدث رعباً في نفوس الناس)).

 

بالنظر إلى هذا التشخيص الذي قُدّم عام 2002م، نجد أن الواقع المعاصر -خصوصا داخل أمريكا نفسها- قد تجاوز مرحلة التكهن إلى مرحلة الاعتراف العلني بـ"ارتهان" القرار الأمريكي للمصالح الصهيونية. ومن خارج المصادر المرفقة، يمكننا الاستدلال بما يطرحه اليوم كبار الناشطين والإعلاميين الأمريكيين أنفسهم؛ فالمذيع الشهير تاكر كارلسون -وفي أكثر من مناسبة- انتقد بشدة تقديم المصالح الإسرائيلية على المصالح القومية الأمريكية، مشيراً إلى أن واشنطن تبدو وكأنها "دولة تابعة" تتلقى الأوامر من تل أبيب في ما يخص حروب الشرق الأوسط". وفي سياق متصل، تأتي تصريحات الساسة الأمريكيين لتؤكد هذا الاختراق السيادي؛ حيث كشف السيناتور والنائب الحالي للرئيس "جي دي فانس" (J.D. Vance) عن واقعة صادمة تؤكد دقة قول السيد حسين بأن "اليهود يحركون أمريكا"، حيث ذكر فانس أنه تم إبلاغ بنيامين نتنياهو بنتائج المفاوضات الأمريكية مع إيران قبل أن يتم إطلاع الرئيس الأمريكي نفسه عليها. وهو ما يعكس تراتبية غريبة في اتخاذ القرار تجعل من رئيس الوزراء الصهيوني "المشرفَ الحقيقي" على السياسة الخارجية الأمريكية. هذه الشواهد، بما فيها نفوذ منظمة "أيباك" التي تتحكم في تمويل الحملات الانتخابية، تثبت أن رؤية السيد حسين لم تكن مجرد موقف تنظيري، بل كانت قراءة استباقية لتحول أمريكا إلى "قوة مستأجرة" تخدم المشروع الصهيوني العالمي، وهو ما نراه اليوم في الدعم العسكري والسياسي المطلق للكيان الصهيوني رغم تعارضه مع القوانين الدولية وحتى مع رغبة قطاعات واسعة من الشعب الأمريكي.

اليمن والاطماع التاريخية لليهود

تناول السيد حسين موضوع الأطماع الخاصة في اليمن، محذراً من استخدام الذرائع التاريخية والمؤلفات المشبوهة للسيطرة عليه، حيث يقول: ((بل ويمكن لليمن نفسه أن يكون ضحية لليهود. هل تعرفون ذلك؟ والوثائق بأيديهم.. سيقولون في الأخير: شاهد حضارتنا كأمة لها ثقافة أيام كنا يهود. سيقولون هكذا، ليس بعيداً، لا تستبعدوا شيئاً.. سيظهر كثير من زعماء القبائل وليس فقط من الصغار، صغار وكبار سيظهرون، ومثقفون وكُتَّاب سيظهرون)).

 

هذا الاستشراف الجيوسياسي لليمن تحقق بشكل مرعب في سنوات الحرب الأخيرة. الشواهد تثبت أن هناك محاولات ممنهجة لربط اليمن بجذور غير إسلامية أو صهيونية تاريخية؛ ففي السنوات الماضية برزت أبحاث ومقالات لمثقفين يمنيين وعرب، بتمويل خارجي، تحاول إعادة قراءة التاريخ اليمني للتركيز على الحقبة الحميرية اليهودية كمصدر وحيد للهوية، تمهيداً للمطالبة بـ"حقوق تاريخية لليهود". كما أن السيطرة الحالية لقوى إقليمية ودولية على الجزر اليمنية (سقطرى، ميون) وبناء قواعد عسكرية فيها بالتنسيق مع الكيان الصهيوني، يؤكد أن اليمن مستهدف لموقعه الاستراتيجي وثرواته وتاريخه. الأخطر من ذلك هو ظهور "زعماء قبائل ومثقفين" يعملون كأدوات مباشرة للقوى الخارجية، مبررين الغزو والاحتلال تحت مسميات "الشرعية" أو "مكافحة الإرهاب"، وهو ما وصفه السيد بـ"بيع الدين والوطن لمن يدفع أكثر". لقد تحول اليمن بفعل هذه الرؤية الاستباقية من بلد "مُدجّن" إلى قلعة للجهاد والحرية، ما أجبر العدو على كشف أقنعته والتدخل العسكري المباشر منذ عام 2015 وحتى اليوم.

"الصرخة في وجه المستكبرين" سلاح استراتيجي لكسر الهزيمة النفسية وفضح المنافقين

ركز السيد حسين على أهمية الموقف الشعبي المتمثل في الشعار (الصرخة) كأداة لتحصين الأمة، حيث يقول: ((اصرخوا. ألستم تملكون صرخة أن تنادوا: [ الله أكبر/ الموت لأمريكا / الموت لإسرائيل/ اللعنة على اليهود / النصر للإسلام]؟ أليست هذه صرخة يمكن لأي واحد منكم أن يطلقها؟.. إنها من وجهة نظر الأمريكيين -اليهود والنصارى- تشكل خطورة بالغة عليهم.. ستسمعون المنافقين هنا وهناك عندما تغضبهم هذه الصرخة، يتساءلون لماذا؟ أو ينطلقون ليخوفوكم من أن ترددوها)).

 

تمثل "الصرخة" في فكر السيد حسين استراتيجية "الممانعة وتنمية السخط الشعبي". الشواهد المعاصرة أثبتت أن هذا الشعار لم يكن مجرد كلمات، بل تحول إلى مشروع سياسي وعسكري واجه الهيمنة الأمريكية في اليمن. منذ عام 2004، شنت السلطة (بإيعاز أمريكي) ستَّ حروب طاحنة في صعدة، كان أحد أهدافها الرئيسية "إسكات هذا الشعار". ردة الفعل الأمريكية والغربية تجاه هذا الشعار، وتصنيفه كـ"خطاب كراهية"، تثبت دقة قول السيد بأنه يشكل "خطورة بالغة عليهم"؛ لأنه يكسر حاجز الخوف النفسي، ويوحد البوصلة نحو العدو الحقيقي. كما أن المرجفين والمنافقين تجلوا بوضوح في أولئك الذين سخروا من الشعار في بداياته، ثم تحولوا اليوم إلى مقاتلين في خندق أمريكا و"إسرائيل" ضد بلدهم.

 

 الواقع اليوم أثبت أن رفع الشعار حوّل أحرار الشعب اليمني إلى كتلة من السخط والعداء لأمريكا و"إسرائيل"، وأنعكس هذا الوعي إلى مسيرة جهادية برزت بقوة في مقارعة طواغيت العصر والدفاع عن أبناء الأمة، تَمثَّل ذلك في معركة "الفتح الموعود" التي أسندت أبناء فلسطين، وواجه اليمنيون الأساطيل الأمريكية والبريطانية دعماً لغزة. هذه هي الثمرة المباشرة لتلك "الصرخة" التي بدأت في قاعة صغيرة عام 2002، لتصبح اليوم صرخة عالمية تقض مضاجع المستكبرين، وتوحد أحرار العالم.

 

المسؤولية الدينية والفرز الإلهي (الغربلة) في زمن الحقائق

تناول السيد حسين حتمية الفرز، والمسؤولية الفردية والجماعية أمام الله، حيث يقول: ((سنسهم دائماً في كشف الحقائق في الساحة؛ لأننا في عالم ربما هو آخر الزمان كما يقال، ربما -والله أعلم- هو ذلك الزمن الذي يَتَغَرْبَل فيه الناس فيكونون فقط صفين: مؤمنون صريحون/ منافقون صريحون.. والأحداث هي كفيلة بأن تغربل الناس، وأن تكشف الحقائق)).

 

تعد نظرية "الغربلة" أو الفرز من أهم الركائز التي قدمتها المحاضرة لفهم التحولات السياسية. الشواهد المعاصرة، وخاصة بعد "طوفان الأقصى" (أكتوبر 2023)، أظهرت هذا الفرز بشكل غير مسبوق في تاريخ الأمة. فقد انكشفت الأقنعة عن أنظمة عربية تآمرت علناً لحماية الكيان الصهيوني، بينما انبرت شعوب وحركات مقاومة لمواجهة القوة العظمى بإمكانيات محدودة. هذا الانقسام الحاد بين "محور القدس" و"محور التطبيع" هو التجسيد الحرفي لـ"مؤمنون صريحون ومنافقون صريحون". السيد حسين أكد أن السكوت ليس خياراً، وأن "القعود" سيؤدي إلى الذل في الدنيا والعذاب في الآخرة .

 

 واليوم نرى أن من اختاروا الصمت أو الوقوف مع أمريكا لم يسلموا من ذلها، بل تعرضوا للإهانة والنهب لثرواتهم، بينما من اتخذوا موقفاً (مثل اليمن ولبنان والعراق وإيران) استعادوا سيادتهم وفرضوا معادلات جديدة في موازين القوى الدولية. إن المحاضرة -بنصوصها وحقائقها التاريخية- أثبتت أن الصراع ليس سياسياً فحسب، بل هو وجودي وقرآني، وأن الزمن قد كشف كل الأقنعة، ولم يبقَ إلا المواجهة الصريحة.

 


مواضيع ذات صلة :